|
تتقدم
أسرة الفحيص نت من أبناء المرحوم جريس مضاعين ( أبو صايل
) بالشكر الجزيل وخالص المحبة على السماح بنشر كتاب
تاريخ الفحيص - صبيان الحصان على صفحات الفحيص نت كما تتقدم بالشكر
من السيدة رغد مدانات الفرح على طباعة الكترونية للكتاب.
تاريخ
الفحيص
صبيان
الحصان
الاهداء
أهدي كتابي هذا الى الأجيال
الصاعدة من أبناء الفحيص عموما والى المغتربين منهم خصوصا
اللذين حرصوا على مجالسة الاباء والأجداد في مجالسهم حيث كان
الحديث يدور في معظمه عن الأعمال البطولية التي كان يقوم بها
الفحيصيين الأوائل في ظروف كان فيها البقاء للأقوى ، لتنمو
فيهم روح المحبة لبلدهم الفحيص أولآ ولوطنيهم الأردن ثانبأ ،
وينيسيهم الزمن أصلهم العربي المشرف وبلدهم الغالية .
أحد طلاب دار الأيتام السورية
سنة 1924 في القدس (شنلر )
ومن مواليد الفحيص سنة 1915
جريس سليمان المضاعين
ثمة بلدات بل مدن كثيرة تمر في الذاكرة كما
في التاريخ دون أن تستوقف أحدا أو يلحظها أحد ، وثمة بلدات تطل
منها على تاريخ وطن بكامله .
الفحيص واحدة من تلك البلدات
القليلة التي تقرأفيها تاريخ الشام وغسان ، من برية الجليل الى
برية الأردن ، ومن قانا الى مكاور ، ومن المعمدان الى الفادي ،
الى فيض الروح القدس ، الى الذكر الحكيم ، وخيل أمية بين بحر
القلزم وبحر الروم.
وأبو صايل عن الفحيص ينبض التاريخ في
المساطب والحيشان وحول مواقد الحطب في كانون ، كشريط حي من
الأحداث والوقائع والثارات والهجرات ووقفات العز التي ذهبت
برؤوس الفتيان والرجال بين القناطر والعلالي فرابين للفحيص ،
زهرة البراري وأجراس الله وزلفى الخطاة والرعاة في منحدرات
سدوم .
في أوراق الفحيص ، نمضي في الأردن
كله ، وينقلنا أبو صايل على حد السيوف الى تاريخ القبائل
والملل والنحل والغزاة والفاتحين من كل لون ... فتحملنا
السنابك والمقاصل والمضارب والدسائس وأجنحة الليل وصرات الذهب
... وظفائر النساء ، الى سلسلة لا تنتهي من التحالفات
ةالارتحالات والحسابات الكبيرة والصغيرة .
وبين هذه وتلك ، تطل الفحيص كنقطة
تقاطع فريدة وبانوراما مكثفة لصورة هذه الحقب من تاريخ الشرق
بين جلعاد وأدوم .
وبين هذه وتلك ، ترسم أوراق الفحيص
مخاض الولادة بين احتلالين : يوم أطبق صبيان الحصان بالخناجر
على رقاب العسكر التركي وشدوا الركايب في جيش الأمة الى الشام
، ويوم ازدهت بهم الصهوات في مضارب العدوان ونصحوا الشيخ ماجد
بأن يسير بالجموع الى سبيل الحوريات ويصلي بالناس في الجامع
الكبير فبل أن يرسل الانجليز مصفحاتهم الى حسبان ويستبيحوا دم
الشيخ صايل وكوفيته كما نشر داود رؤوس العمونيين بالتوارج قبل
قرون .
وثمة أوراق أيضا عن عريان المهداوي
التي استباحت البلاد والعباد شرق السكة وغربها ، وما أخذتها
الرحمة بأحد أو بكتاب منزل أو بحرمة حمى عربي ، وحاولت التطاول
على جميلة الجميلات بين نساء الفحيص ، فما خان الفحيصية ملحهم
ولا فطير الله ، وما تركوا ظهر الخيل وما فكوا ركابها ، وما
بردت سيوفهم ، حتى أخذوا عنق المهداوي وعربانه بجريرتهم ،
وأطفأوا نارهم ، وسكبوا قهوتهم وقلبوا كوفياتهم ، وجعلوا من
رؤوس سادتهم فزاعات للطير ولصوص القبائل الى يوم الدين
هذه هي الفحيص ، وهؤلاء هم الفحيصية في أوراق أبو صايل :
ما حطت طيورهم على جيفة ...
ولا خذلوا متجيرا ....
ولا تقاعدوا عن ندا الأمة ...
ولا جفت كرومهم أو انكسرت جرار باخوس في خوابيهم .
موفق محادين
لقب أهل الفحيص عند القبائل الاردنية هو
صبيان الحصان ، ولهذه التسمية منشأ وتفسير خاص سنأتي اليه فيما
بعد . والمعروف عن أهل الفحيص صبيان
الحصان هو حبهم لبلدهم الفحيص أولا ولوطنهم الاردن ثانيا
واعتزازهم بنفسهم والتفاخر بعاداتهم وتقاليدهم العربية الأصيلة
.وقد كثر المهاجرين منهم في العقود الأربعة الأخيرة من القرن
التاسع عشر حتى بلغ ثلث سكانها جميعهم تقريبا في الويالات
المتحدة الأمريكية في مجتمع غريب عنهم بلغته وتقاليده .
لذلك خشي الأباء المهاجرين على ابناءهم
المولودين في المهجر من الضياع لانقطاع الصلة بينهم وبين الوطن
الأم مع طول الزمن الأمر الذي ل يقبلونه لأنفسهم ول يرضونه
لأولادهم وعلى الخصوص اذا نشأ هذا
الجيل
جاهلا بلغته العربية التي يصعب عليه النطق بها على كبر ، ولم
يحل المال الوفير الذي جمعوه في النهجر بينهم وبين ذكريات
الوطن ولا أنساهم حبهم لبلدهم الفحيص العزيزة مهد الطفولة ول
أفقدهم الأمل بالعودة الى ربوعها اجلا أم عاجلا .
لذلك لا بد من أيجاد رابطة تكون صلة
بين المهاجرين أنفسهم في المهجر الواسع وتكون على اتصال دائم
بالوطن الأم ، تنقل للأهل أخبار ابنائهم وتنقل للمهاجر أحداث
الوطن أول بأول ، ومن ثم تنمي روح الانتماء عند الجيل وليد
الغربة ، فينشأ مشتاقأ لبلده وعطوفا على وطنه مدركا للعادات
والتقاليد التي دان بها اجداده .
رابطة
مغتربي الفحيص في شيكاغو
كان أكبر تجمع سكاني للمغتربين من
أبناء الفحيص يسكن في مدينة شيكاغو ، وجميعهم من الشباب المثقف
، وهؤلاء لم يعوزهم الحل المناسب الذي يوصلهم الى الهدف
المقصود ، ولم يحتاج الأمر عندهم الى طول تفكير ، اذا اتفق
الجميع على تأسيس رابطة في المهجر تعني بشؤؤن المغتربين
الاجتماعية وترفع معنوياتهم وتجعلهم على اتصال دائم بعضهم ببعض
وتهيئ لأطفالهم المدرسة العربية لتدريسهم اللغة العربية
الصحيحة والتاريخ العربي المشرف حتى يسهل عليهم الاتصال الدائم
بالاهل والعشيرة في بلده ويحيون الأمل في نفسه بالعودة للوطن ،
وهكذا لم يمض وقت طويل حتى اصبح المشروع حقيقة على ارض الواقع
بعد أن كان فكرة ورأي فقط اذا لم ينقصهم المال ولا النفوس التي
تجود بالمال ولا قوة الارادة على التنفيذ ، فتأسست الرابطة في
شيكاغو تحت اسم ( رابطة مغتربي الفحيص ) ومن ثم أنشئت فيما بعد
مجلة شهرية تحت اسم الفحيص ، ناطقة باللغة العربية والانخليزية
، وتطوع لها المراسلين من الوطن واليه يمدونها ب؟أخبار الوطن
وأحداث بلدهم الفحيص وأخبار الأهل والأقارب وبكل الأقطار
العربية ، ولم يمض وقت طويل على تأسيس الرابطة حتى أصبح مركزها
مضافة عربية يؤمها معظم الشخصيات الاردنية الرسمية وغير
الرسمية كأفراد أو كوفود مفاوضة ، ومن هؤلاء على سبيل المثال
سمو ولي العهد الأردني الأمير حسن المعظم وكثيرون من الوزراء
والشخصيات الرسمية الأردنية .
ولم يقتصر هذا النشاط الفحيصي المشرف
على أبناء الجالية الفحيصية في شيكاغو فقط ، بل هناك منظمة عدم
التمييز العنصري في مدينة سنساتي والتي يرأسها أحد أبناء
الفحيص المغتربين هو السيد مجاهد اطعيمه الذي استقبل وفد
السلام الاردني برئاسة الدكتور عبد السلام المجالي رئيس الوفد
واقيمت على شرفه حفلة عشاء كبرى في بيت السيد فهاد شاكر طعيمه
أحد أبناء الفحيص المغتربين حضرها عدد كبير من الجاليات
العربية وعلى الأخص أبناء الفحيص ، وهذا دليل قاطع على اعتزاز
أهل الفحيص في الداخل والخارج بعروبتهم ووطنهم الأردن وبلدهم
الفحيص ، شعارهم نحن عرب اردنيون من الفحيص .
واشعارا من الحكومة الاردنية بالجهود
التي قاموا بها أهل الفحيص في شيكاغو والتي من شأنها حفظ
الأجيال الاردنية في المهجر من الضياع على أحد أبناء المهاجرين
من الفحيص في شيكاغو برتبة قنصل فخري للأردن في شيكاغو وهو
السيد رفيق عبدالله صريص ، وهذه مفخرة من الجيل الحديث تضاف
الى مفاخر الأجداد.
وهنا أجد نفسي
مجبرا على أن أتقدم باسمي وباسم كل مواطن فحيصي بالشكر الجزيل
لكل من ساهم ماديا أو أدبيا في سبيل انجاح هذه المؤسسات
الأدبية في المهجر ، فقد اضافوا عملا مجيدا الى تراثهم الحضاري
العتيد ، وحفظوا جيلامن أبناء بلدهم من الضياع والانحراف وراء
المدينة الزائفة ، والتي شاءت الظروف أن يولدوا بعيدين عن
الوطن ومحرومين من سماع أحاديث الأباء عن الأجداد في مجالس
المسنين في الفحيص ، وما قام به أبائهم من كفاح وحرمان حتى
حافظوا على مدينتهم بل على حياتهم أيضا ، اذ مرت عليهم ظروف
كان وجودهم في خطر .
فعلى سبيل المثال في أواخر حكم تركيا
أي سنة 1918 كانت هنالك مكافئة من الحكومة التركية 100 ليرة
ذهب لكل من يسلمها أي شخص من الفحيص والذي يسلم الى الحكومة
كان مصيره الاعدام رميا بالرصاص دون محاكمة وذلك لأنهم ناضلوا
ضد الاتراك اللذين استملكوا اراضيهم الحمر وصويلح وقد سلم
الطامعين بالماكافئة من الخارج ما يزيد عن أحد عشر شخصا الى
تركيا اعدموا على الفور دون محاكمة .
ولهذا وجدت من واجبي أن اقدم لهذا
الجيل بل وللجميع ما عندي من معلومات متواضعة عن تاريخ الفحيص
الطويل والذي قارب على الاندثار لقلة المعنيين به ليضعوه بين
ايدي اطفالهم يكون لهم ذكري تذكرهم بأصلهم وبلدهم وتراثهم
وتقاليدهم ، فلا ينسوا الفحيص أمهم الحنونة ، راجيا أن اوفق في
سرد هذا التاريخ ، متابعا السكان في حلهم وترحالهم وظروفهم ،
فمن الفحيص الى القصطل الى الدسر الى السلط ثم العودة الى
الفحيص المغاور حتى الفحيص العمار الحالي وما عليهم من صعوبات
راجيا غض النظر اذا وجد هنالك خطأ في التاريخ محدد لأن التاريخ
لا يقل من قيمة الحدث اذا سبقه أو تعداه بمدة قصيرة ، مع العلم
أن هذا المشروع يعتبر رائدا في تاريخ الفحيص ، والمراجع تعتبر
مفقودة الا الشئ اليسير من بعض الأيرة والتاريخ العام أو
اشارات عابرة من بعض الرحالة الأجانب ، وما تبقى فهو روايات عن
السلف واجتهاد شخصي توخينا فيه الدقة والحقيقة ما أمكن .
نادي
الفحيص
كما واتقدم بالشكر الجزيل لنادي شباب
الفحيص الذي قام بمجهودات ادبية وثقافية لا تقل عن الجهود التي
قام بها اخوانهم في المهجر وفي شيكاغو بالذات ، وفي مهرجاناتهم
التي اقاموها بالفحيص تحت شعار الاردن تاريخ وحضارة مفخرة
ادبية ليس لها مثيل على مستوى قرية ، وقد شهد بها الاردن حكومة
وشعبا اولها كان سنة 1991 واخرها سنة 1994 ، وكم يشرفنا أن
يشهد سمو ولي العهد الأمير حسن المعظم بحسن تنظيمها كما شهد
لأخوانهم في شيكاغو ، وقد كان لي شرف المشاركة بالمهرجانات
الاربعة تحت شعار اوراق في تاريخ الفحيص ، ففي كل مهرجان كان
يلقي حلقة من تاريخ الفحيص لكي تعم الفائدة وتصل المعلومات الى
كا أبناء الفحيص في الوطن والمهجر وكان منهم التشجيع الأدبي ،
وفي نهرجاناتهم الخمسة والتي بدأت منتواضعة ثم أصبحت وكأنها
على نطاق حكومة في تعدد الفعاليات المتنوعة وحسن التنظيم وكان
المهرجان الخامس تحت اشراف سمو ولي العهد المعظم .
الحلقة
الأولى من تاريخ الفحيص
( مهرجان الفحيص الأول 1990)
المقدمة
عزيزي القارئ ...
أرجو المعذرة في حال وجود زيادة أو
نقصان فيما نكتب عن تاريخ الفحيص ، لأن المراجع المختصة بهذا
التاريخ تكاد تكون معدومة ، فهي اما بعض اشارات عابرة ذكرها
بعض الرحالة أو سطور قليلة كتبها بعض المؤلفين المحلين قد تكون
مخالفة للحقيقة لجلهم بالحادث ، ونحن للمرة الأولى ، وبعد
سنين طويلة نكتب تاريخ الفحيص معتمدين على نتائج هذا البحث
ومستعينين ببعض الاثار المتروكة في البلدة القديمة وما حولها
أو ببعض القصص المرواة من السلف الى الخلف أو اشارات من
التاريخ العام للمنطقة ككل ، وبعد جهد جهيد توصلنا الى ربط
الحلقات تاريخية متناثرة وأوجدنا منها تاريخ متسلسل واقعي أقرب
ما يكون للحقيقة ، وها نحن نضعه بين يديك أيها القارئ الكريم ،
والان الى موضوعنا المقصود وهو تاريخ الفحيص .
اسم الفحيص
وماذا يعني
الخطأ الشائع أننا نلفظ اسم ( الفحيص
) بضم الفاء وفتح الحاء وذلك لعدم معرفتنا للمعنى الحقيقي لهذا
الاسم ، ولكن الصحيح هو ( الفحيص ) بفتح الفاء وكسر الحاء .
وكلمة الفحيص بمعاجم اللغة تعني الحصن المنيع أو عش النسر ،
وعش النسر سمي الفحيص ( أي الحصن المنيع ) لصعوبة الوصول اليه
، فهو لا يضعه الا على قمم الجبال العالية والتي يصعب الوصول
اليها ، ومن يتأمل موقع الفحيص القديمة على واقع الأرض يرى أن
هذا الاسم ينطبق على هذا المسمى كما سنبينه الآن .
موقع الفحيص
الجغرافي
تقع الفحيص القديمة بين سلسلتين من
الجبال ، السلسلة الأولى من الشمال والشرق ، والسلسلة من
الجنوب والجنوب الغربي ، يفصل السلسلتين مدخل ضيق من جهة
الجنوب الشرقي ، يضيق في بعض المواقع ليصل في اتساعه الى بضع
أمتار فقط يسهل على بضع مسلحين اغلاقة عند الضرورة كما حدث سنة
1923 عندما أرادت عشائر المرتزقة نهاب الفحيص أثناء تشكيل
الحكومة الماجدية .
أما المدخل الغربي فهو أشد وعورة من
المدخل الشرقي ، فهو أشبه ما يكون بسفح قلعة منحدر وواد سحيق
يسمى واد الاكفش ، يضيق اتساعه في نهايته ليصل الى يضع أمتار
وينتهي الى وادي الأزرق . ومن المعلوم أن الحروب سابقا كانت
تعتمد على اليسف والرمح والحصار الطويل للمدن الحصينة ، ولذلك
فمن أقوى وسائل الدفاع هو تأمين المياه ووصولها الى داخل
المدينة المحاصرة عند وقوع الحصار ، وهذا ما هو متوفر بالفحيص
، ففيها ثلاثة عيون ماء هي : عين العلالي ، وعين الراهب ، وعين
الزعطوطة ، هذه العيون داخل البلد ،وعلى بعد نصف كيلو متر الى
الغرب تقع عين الأزرق والتي تستقي منها حاليا الفحيص وصويلح ،
ولتأمين حمايتها من الوقوع تحت تصرف العدو أقيم على قمة جبل
مطلة على هذه العين من الجهة الشرقية شبقلعة صغيرة حفر فيها
خندق يحتمي فيه الحراس للدفاع عن العين ، ولحد الان اثارها
ظاهرة للعيان وتسمى خربة الخندق تقع الى الجهة الغربية من
البلد .
ولذلك وبناء على ما وصفناه من الحصانة
الطبيعية لموقع الفحيص فان تسميتها باسم الحصن المنيع أي
الفحيص جاء دلالة على حقيقة مطابقة الاسم للمسمى والذي اشتق
منه اسم صبيان الحصان ، الاسم المعروف به أهالي الفحيصعند جميع
قبائل الأردن .
أما اسم صبيان الحصان المرادف لاسم
الفحيصية ، فقد كانوا أهالي الفحيص القديمة والتي هي رومانية
ومن مدن الغساسنة أصلا يأخذون الأحداث أي الصبيان من عمر ست
سنوات فما فوق ويسلموهم الى مدربين يعلموهم الفروسية وركوب
الخيل والرماية بالرمح والقتال بالسيف وجميع فنون الحرب
والقتال مقلدين النظام الروماني فكانوا هؤلاء يشكلون فرق أشبه
ما تكون بالمليشيات اليوم ، وهذه الفرق ولصغر أعمارهم يسموهم
صبيان الحصن، وبعد أن أتقنوا فنون الحرب لقبلوا بصبيان الحصان
، لأن الحصان كان ولم يزل رمز الأصالة ومقياس القوة . وحتى لا
يقع الالتباس لتشابه الأسماء ، نظرا لوجود مدينة الحصن في
محافظة * اربد*
واسم صبيان الحصان هو اللقب المعروف
به أهل الفحيص عند جميع قبائل الأردن لحد الأن ، وبعد أن عرفنا
المعنى الصحيح لاسم الفحيص – أي الحصن المنيع والاسم المرادف
لأهالي الفحيص والذي هو صبيان الحصان لذلك أتخذ أهل الفحيص
حاليا الحصان شعارأ لهم ووضعوا له تمثالآ في مدخل البلد
اعتزازاوفخرابما حققه أجدادهم الأولون ، وتخليدا لاسم صبيان
الحصان ، وسموه دوار الحصان ،
والان
الى تاريخ الفحيص
تدل الآثار التي ظهرت نتيجة الحفريات
التي قام بها بعض المواطنين لبناء مسكن لهم ، أن الفحيص
القديمة تعود في انشائها الى العص البيزنطي المميز بالفسيفساء
وكثرة الكنائس والتي والتي اكتشفت في عدة أماكن من الأردن مثل
مادبا وجرش وغيرها . ومن المعروف أن سكان الأردن أنذاك كان
معظمهم من الغساسنة القادمين من اليمن والذين أقاموا لهم دولة
في حوران والبلقاء . وجعلوا المسحية دينا للدولة وترسخت في
زمانهم المسيحية وكان سنة 292 للميلاد .
وحسب ما تشير الآثار المكتشفة أن
الفحيص كانت تقوم في الجزء الشمالي من مسيل الماء الذي يفصلها
الى قسمين ، حيث تسكن حاليا عشيرة الزيادات ، وكانت الأنابيب
الفخارية تمتد من عين العلالي الى داخل المساكن ، وفي الخارج
كان ملقى حجر معمودية هو الان في كنيسة الروم الأرتوذكس ،
زأثناء بناء مدارس البنين الحكومية كانت الجرافات تخرج صفائح
الفسيفساء من باطن الأرض ، وأما الجزء الجنوبي من الوادي فكانت
المقبرة ، حيث اكتشف عدة قبور كان أحدها لكاهن أرثوذكسي
وبجانبه لباس الكهنوت وكل ما يلزم لاقامة الشعائر الدينية
بالآضافة الى أثاركنيسة مبلطة أرضيتها بالفسيفساء، وهذا يأتي
تأكيدا لما ذكرناه أن الفحيص مدينة غسانية عايشت العصر
البيزنطي حتى أواخر القرن السادس وبداية القرن السابع الميلادي
.
دمار الفحيص الرومانية
لقد ذكرنا سابقا أن الغساسنة أقاموا
لهم دولة في الأردن في البلقاء وحوران سنة 292 م ، والكل يعلم
ما وصل اليه الغساسنة من حضارة ورقي وعلى الأخص في الأردن وفي
منطقة البلقاء بالذات ، فكانت لهم مدنهم ولهم ملوكهم وأمرائهم
وجيوشهم وحروبهم ، فقدموا الى الأردن وهم على دين الجاهلية ،
وعند ظهور الدين المسيحي تنصروا جميعهم حتى ظهر الدين الاسلامي
فأسلم منهم من أسلم وبقي من بقي ، ولذلك فان أحفاد الغساسنة
الآن في الأردن لا يقتصر على المسيحيين فقط بل هنالك عشائر
اسلامية كثيرة يعود نسبها الى الغساسنة. وقد تزامن في
الأردن عصر الغساسنة مع عصر الرومان وربطت وحدة الدين بينهم
حتى أصبحت وحدة سياسية كما هي وحدة دينية ، وكان الرومان وعلى
الأخص في أواخر عهدهم بحاجة ماسة الى قاعدة عسكرية في الشرق
والى حليف من أهل البلاد يقيهم شر هجمات الفرس وبعض الانتفاضات
المحلية ، فلم يجدوا أفضل من التحالف مع الغساسنة ، وهكذا هيئت
الظروف المناخ المناسب لذا الحلف ، وكما الى الرومان بحاجة الى
مساعدة الغساسنة العسكرية ، كذلك كان الغساسنة بحاجة الى
مساعدة الرومان العسكرية ، وفي ذلك الوقت بالذات الذي قويت فية
هجمات الفرس والذين فعلوا كما فعل الرومان اذ اتخذوا المناذرة
والفرس من جهة أخرى ودامت فترة طويلة نسبيأ ، وكان النصر سجالآ
بين المتحاربين ، ولكن في أواخر عهد الرومان ضعفت دولة الروم
وبضعفهم ضعف الغساسنة وهكذا اجتاحت جيوش الفرس والمناذرة
الأردن وتعدت الى فلسطين حيث دمرت كل شئ في طريقها وعلى الأخص
مدن الغساسنة في البلقاء والفحيص منها ، وفي فلسطين دخلوا
المقدسات ودخلوا كنيسة القيامة وأخذوا خشية الصليب الذي صلب
عليها المسيح وعادوا بها الى بلاد فارس والتي هي ايران الخالية
،وهكذا انتهت الفحيص البيزنطية وذلك في مطلع القرن السابع أي
سنة 614م .
الفحيص
في القصطل
قد يصح القول اذا قلنا أن وجود
الغساسنة كدولة زال بعد الغزو الفارسي ولكن وجودهم كشعب لم
يزول ، ونشوة الفرس بالنصر لم تدم طويلا ، اذ تولى عرش الرومان
هرقل القيصر القوي العزم والذي سرعان ما جهز جيشا بالعدة
والعدد للاخذ بالثأر ، فاحتل سوريا وفلسطين والأردن وسار بجيشه
حتى احتل ايران واسترجعخشبة الصليب من هناك ، وكان هذا في
27/9/630م ، واعتبر المسيحييين هذا اليوم أي يوم 27/9/630م،
عيدا من أعياد الكنائس الرسمية الشرقية منها والغربية وأسموه
عيدالصليب ، وكذلك قيصر لم يهنأ بفوزه على الفرس طويلا ، اذ هي
سبع سنوات فقط حتى تقدمت الجيوش الاسلامية واحتلت الأردن
وحاصرت القدس حتى استسلمت له دون سيادة ، بل أنحاء البلاد وبدأ
الحكم كاملا بيد الدولة الاسلامية ، فساد الأمن والطمانينة في
جميع أنحاء البلاد وبدأ الحكم عادلا ومستقرا ولكن أهل الفحيص
لم يعودوا الى الفحيص الأولى بل لجأوا الى مدينة ثانية من مدن
الغساسنة وهي القصطل والتي تقع على بعد كيلومترات الى الجنوب
الغربي من عمان . وهناك بدأوا حياتهم من جديد معتمدين في
معيشتهم على الزراعة وتربية المواشي ، وكان قد أسلم منهم البعض
كما ذكرنا سابقا بعد وصول الدين الاسلامي والحكم الاسلامي ولا
بأس أن نذكر شقير وهو الجد الأعلى لعشيرة في نابلس وأحمد
العامل ،وهو الجد الأعلى لعشيرة العواملة
في السلط والتي منها دار جراد ، وأما سمير فهو جد السميرات بما
فيهم المضاعين والسماوية وعليم ، وهو أصل الصويصات والعليمات
في مدينة اللد بفلسطين ، ولقد وصل ابن جرار الى زعامة القصطل
ولكنه لم يكن له خلف وكان دينه يمنعه قبل اسلامه من الزواج
ولكن بعد ان أسلم تزوج من ابنة محمد السردي شيخ السردية والذين
كانوا يسكنون حول مدينة القصطل في بيوت الشعر وهم كثيري العدد
لكن ولسوء الحظ توالت على البلاد سنين الجفاف الطويلة ، ونفذ
المخزون من المؤن من القصطل بعد أن اقتسموه أهالي القصطل
والسردية على السواء ، وجفت الآبار ولم يعد هناك كلأ للمواشي
وكان لا بد من ترك المدينة والشتات في أنحاء البلاد في طلب
الرزق وهكذا خرج أهل الفحيص من القصطل وتفرقوا في أنحاء الأردن
وسوريا الى أن عادوا فسكنوا في موقع يسمى الدير في أواخر القرن
الثالث عشر الميلادي ، وهذا الموقع يبعد عن الفحيص القديمة نصف
كيلو متر فقط وهو من أراضي الفحيص سابقا ولاحقا وقد استملكت
منه البلدية جانبا لتجعل منه متنزها ومنطقة سياحية ومن القصطل
نزح العوامله الى السلط وأل قعوار الى الناصرة وشقير الى نابلس
، وأخرون الى اللد والى واد الشعير بفلسطين .
الفحيصية
في الدير
من المعلوم أن الأديرة أسماء تطلق
على مساكن الرهبان والنساك وهنا أيضا اسم الدير لا يشذ بتسميته
عن القاعدة اذ سمي الدير لأنه كان يسكنه اثنان من الرهبان ،
ويبدو أنهما كانا على خلاف مع الكنيسة على بعض العقائد الدينية
، ولهذا تواريا عن الأنظار وسكنا في هذه المنطقة المنعزلة في
غرقتين جعلا احداها للصلاة والأخرى للسكن ، وكانا معروفان عند
أهالي الفحيص فيميلوا اليها للراحة عندما كانوا يذهبون للصيد
في منطقتهما ويتوددون اليهما ويترددون على ديرهما كأصدقاء
والرهبان بأخذان لوازم المعيشة من الفحيص ولهذه المعرفة
والصداقة بدأالفحيصية يتجمعون بعد خروجهم من القصطل بمدة قصيرة
حول هذا الدير بالتدريج حتى تكامل عددهم وأصبح الدير بما حوله
مدينة بالمعنى المعروف للمدن انذاك
ويظهر أن أهل الفحيص استفادوا خبرة بالصناعة أثناء وصول
بعض عائلات منهم الى سوريا وفلسطين ، فأقاموا بالاضافة الى
الزراعة وتربية المواشي صناعات أخري أهمها صناعة الحديد أو
بالاحرى تصنيع الحديد ومن يزور الموقع الأن تسمى بقايا الحديد
المصهور وقطع الحديد المصنع بكثرة على وجه التربة وحتى الأن
تسمى تلك المنطقة حارة الحدادين وأقاموا في الدير مسكن من
الحجر على الطراز القديم الروماني ، وما تسمى عندنا حاليا عقود
منها القوسية ومنها المصلبة أي المربعة وميزة هذا البناء أنة
لا يحتاج الى خشب لسقفه أو اسمنت ومن هذه الأبنية ما هو قائم
حتى الأن ، ولقد طالت مدة اقامتهم بالدير ، اذ نعموا
بالاستقرار أثناء حكم الاسلام العربي ، فأقاموا الأسواق
التجارية والصناعات الخفيفة وعاشوا برفاهية مدة حكم الى أن أل
الحكم للأتراك وذلك في مطلع القرن السادس عشر الميلادي
وقداتبعت تركيا في حكم مستعمراتها نظام الاقطاع والأمراء
والولاة وفي جباية أموال الدولة المستحقة اتبعت نظام خاص يعتمد
على المتعهدين والضامنين الذين كانوا مقابل مبلغ محدود من
أ"لبان "أو "أغنام أ"و غلال حبوب على اختلاف أنواعها يحصلون
على تفويض من الباب العالي في استامبول بالتصرف والجباية ،
فاستقامت الأمور الى أن وقعت منطقة الدير ضمن هذه الاقطاعات
وضمن اقطاع أحد الأمراء والذي يدعى المسيك بالذات وكان هذا
الأمير مستبدا الى حد ما ، أراد أن يتصرف بالارض وليس بجباية
الأموال فقط وعلى هذا "أعلن أهل الدير العصيان ،" فجمع
الأميرجيشا من المرتزقة وحاصر مدينة الدير وأقام مخيما للجيش
قرب المدينة لاطالة الحصار ، وكان يوم أحد ، وبينما أحد
المواطنين راجع من الصيد رأى الحصار المضروب على البلدة ولكنه
دخل ما الى البلدة فوجد أن الجميع في الكنيسة ، فأخبر الخوري
بما رأى فقال الخوري للرجال أرسلوا النساء الى البيوت لاحضار
السلاح ، وبعد أن تكامل عددهم خرجوا من الكنيسة يتقدمهم الكاهن
، وكانت مفاجأة للأمير وجيشه فقتل منهم من قتل وهرب الباقون
وقطعوا حبال الخيام التي أقامها المرتزقة وسمي ذلك المكان
المقطع لحد الأن وهو بقرب بلدة الدير ، ولكن هذا النصر كان
قصير الأمد ، اذ عاد الأمير بجيش من المرتزقة والمجاورين وحاصر
المدينة ودمرها وهكذا خرج أيضا أهل الفحيص من الدير بعد
تدميرها وكان في أواخر القرن الخامس عشر حيث تفرقوا من جديد ،
ولكن معظمهم بعد الرحيل من الدير التجأوا الى مدينة السلط ،
حيث كانوا العواملة لأنه فاتنا ان نذكر أن العواملة لم يسكنوا
الدير بل بعد الرحيل من القصطل بمدة قصيرة عادوا وسكنوا السلط
.
الفحيصية في
السلط
لا شك أن الفحيصية سكنوا السلط ولمدة
طويلة بل والعواملة التجأوا بعد الرحيل عن القصطل الى السلط
مباشرة ولكنهم لم يكونوا من السلط أصلا ، والدليل على ذلك أنهم
بالسلط كانوا يسمون افحيصية بالخصوصيات ، وبأسماء عائلاتهم
وبالعموميات يسمون عواملة ، لكون عشيرة العواملة بالاضافة الى
الصويصات والسميرات واللذين كانوا انذاك لم يزالوا عشيرة واحدة
تعد أكبر حمايل الفحيص وما يشير الى ذلك بوضوح هو ما ورد في
كتاب الدكتور عدنان البخيت ونوفان الآحمود والذي صدر سنة 1989م
حيث مذكور فيه أنهم حصلوا على دفتر من استامبول مسجل يحمل
عنوان (دفتري لواء عجلون ) وهو من محفوظات ارشيف رئاسة الوزراء
باستامبول مصنف تحت رقم 970، ولم يدون فيه تاريخ تحريره ولكن
من المرجح يكون قد تم تحريره في عهد السلطان سليمان القانوني ،
اذ يذكر هذا الدفتر الاقطاعات التي كانت ممنوحة الى الأمير
البدوي (طره باني) أمير لواء عجلون والذي يعود اقطاع هذا
الأمير الى سنة 1538 م وكما ورد في هذا السجل أن الأردن
الحالية بكاملها كانت تابعة لولاية الشام تحت اسم لواء عجلون
وهذا اللواء مقسم الى خمس مديريات ناحية وهي : مديرية عجلون ،
ومديرية ناحية السلط ، وناحية علان ، وناحية طوائف عربان عجلون
، وناحية الكرك ، ومما يقول فيه عن السلط أنها كانت من
الناحية الاجتماعية تقسم الى قسمين :
القسم الأول عواملة ومسكنهم شرق القلعة ،
والقسم الثاني الأكراد ومسكنهم غربي القلعة وبحيث أن العواملة
أصلا فحيصية وأكبر حمايل الفحيص اذ يضم اسمهم سميرات وصويصات ،
لذلك كان اسم العواملة في العموميات يضم الفحيصية عموم ، ويذكر
الى أن عدع العائلات المسيحية في السلط لم يتجاوز (19) عائلة،
وهذا يدل على أن العواملة هم اللذين كانوا في السلط بهذا
التاريخ أي سنة 1538 م وأنهم لم يسكنوا الدير مع باقي الفحيصية
وأنه لم يكن معهم من الفحيصية المسيحين الا (19) عائلة فقط
والباقون تجمعوا فيما بعد حتى بلغ عددهم (80) عائلة مسيحية في
مطلع القرن التاسع عشر الميلادي ، و(400) عائلة مسلمة كما يقول
الرحالة الانجليزي ايركهارت وجميع المسيحين ينتمون الى الكنيسة
الشرقية ، وأن حيا ثالثا أضيف الى المدينة فأصبح الأحباء ثلاثة
: حي العواملة ، وحي الاكراد ، وحي القطيشات ، وهذا الرحالة
زار البلاد سنة 1812 م ، وأما ما يذكره السجل التركي عن باقي
المسيحيين في الأردن فيقول اضافة الى (19) عائلة في السلط
هنالك في الشوبك (11) عائلة ، وأما التجمعين المسيحيين الأخرين
فكانا في عجلون والكرك ، لذلك يكون تجمع الفحيصية في السلط قد
تم في القرن السابع والثامن عشر ، هذا مع العلم أن جانب كبير
من سكان الدير كان في حوران وسوريا والبعض مع المواشي في بيوت
الشعر ولم يسكن السلط مطلقا ، بل هنالك جانب من الصويصات
والسميرات كان في فلسطين في مدينة اللد والناصرة كال قعوار في
الناصرة والعليمات في اللد ، والسميرات في جفنا وال شقير في
نابلس ، في السلط طاب للفحيصيين مبدئيا السكن لأنهم سأموا
الرحيل والحروب وشجعهم أيضا على الاستقرار وجود العواملة
اللذين سبقوهم الى السلط مع بعض العائلات المسيحية ، فتملكوا
هناك العقارات وغرسوا كروم العنب ، وتعاطوا التجارة ، وكانت
السلط كمديرية ناحية خارجة عن قانون التأجير والاقطاع ومن
ناحية أمنية أمنة لوجود الحامية التركية فيها ، فبنوا المساكن
واستراحوا ، ومع كل هذا لم يتركوااراضيهم بالفحيص مهملة بل
اعتنوا بها وزرعوها بالاضافة الى زراعتهم في السلط ولكنه كانوا
يجدون مشكلة في نقل محصولهم من الفحيص الى السلط ،
الفحيص
في المغاور
عنوا الفحيصيين الكثير من العناء
والمشقة في نقل محصولهم الزراعي من الفحيص الى السلط وخاصة
التبن للمواشي وذلك لوعورة الطريق لأن النقل كان على ظهور
الدواب كالحمير والبغال ، وفي فصل الشتاء كان أحيانا يرتفع
منسوب المياه في وادي الأزرق الى درجة يتعذر على الدابة
اجتيازها في موسم الزراعة السنوية ، لذلك بدأت فكرة عند؟أحدهم
وهي حفر مغارة كمخزن للتبن أيام الصيف وللاقامة فيها عند موسم
الزراعة ، وعند عرضها على المزارعين وجدت استحسانا عندهم لما
قدروا لها من نتائج مريحة لهم بديلا من نقل المحصول في الصيف
الى السلط واعادة نقله في موسم الزراعة من السلط الى الفحيصومع
ما في ذلك من صعوبة الطريق وخطر قطعها لارتفاع منسوب مياه وادي
الأزرق وصمموا على تنفيذها .
وبدأوا فعلا بالتنفيذ أولا على نطاق
فردي ، ثم تتابع التنفيذ حتى بلغ عدد المغاور في منتصف القرن
الثامن عشر 45 مغارة ، وكانوا قد اختاروا ربوة مرتفعة قليلا
وقريبة من موقع البيادر هي حارة العكارشة القديمة ، وكان موقع
البيادر عند دوار البلدة القديمة ولحد الأن تسمى روس البيادر
من الدوار وحتى ساحة كنيسة الروم ، وتبعها ثمانية مغاور على
عين العلالي ،وفعلا بدأوا يسكنون فيها في موسم الزراعة أي بذر
الحبوب في فصل الشتاء ، وفي فصل الصيف كانوا يقيمون بالقرب
منها في بيوت الشعر ووجدوا راحة بذلك ، ولكنه بقدر ما وجدوا
الفحيصيين في سكن المغاور وخزين محصولاتهم الزراعية وعلى الأخص
التبن راحة لهم ولدوابهم ، وجدوا فيها العواملة خطرا عليهم اذ
يضعف ذلك موقعهم تجاه الأكراد المناوئين لهم وهنا وقع الصراع
بين الأشقاء والان لا بد أن نلقي نظرة على أحوال مجتمع السلط
والتي تعود اليها أسباب الخلاف بين العواملة والفحيصيين .
الصراع بين العواملة والفحيصية
ذكرنا سابقا وكما جاء بالسجل التركي
؟أن مجتمع السلط كان مقسوم الى ثلاثة أحياء هم عواملة وأكراد
واقطيشات وكثيرا ما كان يقع خلاف بين الأحياء وعلى الأخص بين
العواملة والأكراد وكان نفوذ الدولة ضعيفا وليس لها الا حامية
رمزية لا تقوي على ضبط الأمن عند نشوب أي عراك جماعي بين
الأحياء ، بل يتوقف العراك بتغلب فريق على اخر ونهاية أي عراك
من هذا النوع وبهذه الطريقة له عواقب سيئة اذ يتجدد على الدوام
، وكان عدد الرجال المتفوق عند أي فريق هو العنصر الهام لحيازة
النصر وعلى هذا الاساس كانت نظرة العواملة في الرحيل الفحيصية
اذ يضعف صفهم تجاه الأكراد .
كان أولا خلاف بالرأي حاول العواملة
اقناع الفحيصية بالنصح والارشاد ولكنه لم يثمر لذلك تحول الى
صراع بالخفاء ، فأحرقت المغاور بما فيها من تبن أولا ولكن
اعتبر الحادث قضاء وقدر وثم أعيد الحريق في السنة الثانية
وهكذا الى ثلاث أو أربع مرات وفي النهاية دخل الشك في نفوس
الفحيصية في أن وراء هذه الأحداث جهة معنية مغرضة وبعد موسم
الفلاحة وخزن الغلال بيتوا كمينا لالقاء القبض على الفاعل
وسرعان ما وقع الفاعل وألقي القبض عليه وكان من عشيرة الأدعجية
ويلقب بأبو غرير ، فكان لا بد من الاعتراف واعترف بأن العواملة
هم الذين كانوا يحرصونه ويرشونه حتى يرغموهم على البقاء في
السلط سندا لهم مقابل الأكراد وهذا مما قوى عزيمة الفحيصية على
المتابعة من أجل الرجوع الى الفحيص ، فقرروا حفر مغارتين وجعل
احداها سكن للخوري والثانية كنيسة ، ومطالبة بطرك الروم
الأرثوذكسي بتعيين كاهن يقوم بخدمتهم الدينية .
الرحيل النهائي عن السلط
في منتصف القرن الثامن عشر بدأوا
الفحيصية بيبع عقاراتهم ومساكنهم في السلط والانتقال الى
الفحيص ، وما جاء الربع الأخير من القرن حتى كان معظمهم قد
أنهى كل علاقة له بالسلط ورحل الى الفحيص واستقر ، وتخلف
عائلات قليلة عن الرحيل لتعذر بيع ممتلكاتهم هناك ، وانتهى
العنل بالمغارتين الكنيسة وسكن الخوري وأرسلوا وفدا الى القدس
يطالب البطرك بتعيين خوري واستجاب البطرك لطلبهم وعين لهم خوري
جاؤا به من الشوبك ليقوم بواجباتهم الدينية ويدعى الخوري
عطاالله ، واستراح الفحيصية ببلدتهم القديمة من عناء النقل
والتنقل من والى السلط وبقيت السلط بالنسبة لهم ذكرى ، والمركز
التجاري الذي يمدهم بضرورياتهم الحياتية ، وبقيت علاقتهم مع
العواملة يشوبها الفتور ولكنها لم تنقطع ، وبدأ أهالي الفحيص
المنتشرين في حوران وسوريا بالعودة اليها حتى أصبحت بفترة
وجيزة قرية عامرة تدب بها الحياة والحركة والهمة والنشاط .
واقعة
المهداوي
قبل التعرض لواقعة المهداوي بالفحيص ،
يجب القاء نظرة على الأحوال العامة بالأردن لأن لها علاقة
مباشرة بالفحيص ، وما هي صلة العدوان بالمهادوة .
بعد زوال حكم المماليك أصبحت البلقاء
تحكم حكما عشائريا ، فقد ظهر فيها قبيلة العدوان بعد فتوح
السلطان سليم ببضع سنوات ، وسبقها فيها قبيلة المهداوية وبعض
من بطون اعنزه التي شرعت بالخروج من نجد والزحف شمالا في
المنتصف الأول من القرن السابع عشر وقبل هذه الفترة التي نحن
بصددها هاجر نوفل العجرمي من العلاء في الحجاز ونزل في البلقاء
ودعي أحفاده بالعجارمة وحكموا البلقاء ردحا من الزمن الى ان
ظهرت قبيلة المهداوية منافستهم زعامة البلاد وانتزعتها منهم .
وبينما كانت قبيلة المهداوية في أوج سيطرتها حوالي عام 1640 م
، نزل الأخوان فايز وفوزان بين عشيرة كنده النازلة بجوار جبل
الساحك ، وبعد نزولهم بقليل توفي فوزان وبقي فايز وتزوج بابنة
شيخ كنده ، وولدت له ابنا سمته عدوان ولما كبر عدوان تزوج من
ابنة أحد شيوخ المهداوية فجاءه منها ولدان أسماهما حمدان وصبح
، وترعرع حمدان في احضان أمير المهداوية ، وانضم الى صفوقه في
الغزوات العديدة التي شنها على أعدائه و"أهمها الخروج على
قافلة قرب نهر الزرقاء كانت سائرة بين مكة والعراق ، وكان بين
الغنائم ناقة اسمها الضباء صارت من نصيب حمدان ، فاتخذوا منها
العدوان نخوة ينتخون بها في حروبهم . كان حمدان بطلا مقداما
وفارسا مغوارا اشتهر أمره بين القبائل والتف حوله عددا من
الفرسان المتبرمين من ظلم المهداوية وتعسفه ، وعندما كان يسأل
حمدان عن هؤلاء الفرسان كان يقول استقرضهم من مختلف العشائر ،
ولذلك لقبوا فيما بعد بعشائر الأقرضة وهم كثيرون في البلقاء
وبقوا على ولائهم للعدوان .
وبعد ذلك أخذ حمدان يعد العدة ويتحين
الفرص للانقضاض على سيده جوده المهداوي وانتزاع السيادة منه ،
وفي احدى السنين أمر جوده المهداوي حمدان أن يجمع له ثيران
القبيلة ليحرث عليها أراضيه كما هي العادة في كل عام ، وكان
المفروض على كل فرد أن يأتي بثورين ولكن أحدهم قدم ثورا واحدا
وهو كل ما يملك فغضب الأمير المهداوي وأمر أن يربط الرجل بدل
الثور الثاني ، فأثار هذا التعسف غضب أعداء الأمير ومنهم حمدان
وانشقوا عنه ونشبت بينهم حروب دامت عشرين عاما سفكت أثنائها
دماء كثيرة وقتل حمدان وفر رجاله الى وادي الموجب وجبل عطروز
الواقع جنوب مادبا .
خلف حمدان ثلاثة أولاد هم عدوان ونمر
ومحمد ، أخذوا على عاتقهم الأخذ بثأر والدهم من قبيلة المهادوة
ومن الأمير المهداوي يالذات وانضم اليهم قبيلة العجارمة وغيرهم
من القبائل المنشقة عن قبيلة المهداوية ، وفي هذه الأثناء
ارتحل العدوان الى الضفة الغربية ونزلوا في أرض يقال لها تلعة
الدم الى الشرق من مدينة القدس وعلى بعد 15 كم على طريق أريحا
استعدادا للمعرة عند سنوح الفرصة .
وحدث في ذلك الوقت أن الأمير المهداوي
جوده أحب ابنة خوري قرية الفحيص وعقد النية على الزواج منها
مهما كلفه الأمر ، وكان ذلك أثتاء زيارة له قام بها الى الفحيص
ورأى النساء والفتيات أثناء ذهابهن لجلب الماء من العين حيث
استحسن احداهن ، وعندما سأل من تكون أخبر أنها ابنة الخوري ،
وعلى الفور ذهب هو ومركوبيته الى الخوري وطلبها منه ، وعبثا
حاول الخوري اقناع المهداوي بالموانع الشرعية التي تمنع مثل
هذا الزواج لفارق الدين وعلى هذا الأساس تظاهر بالموافقة وطلب
امهالا لتجهيز العروس حتى يتدبر الأمر مع أهل القرية واتفقا
على يوم معين ليأتي مع حاشيته لاستلام العروس .
بعد ذهاب الأمير تداول أهل القرية
الأمر واعتبروه اهانة لهم واستهزاء بدينهم وهم يعلمون عدم
قدرتهم على الأمير ويعلمون تعسف الأمير وبطشه وأن طلبه بالنسبة
له يعتبر أمرا يجب تنفيذه ، ورأوا أنه لا بد لهم من حليف قوي
يعينهم ، واستبعدوا مساعدة العواملة لسوء العلاقة معهم بعد ما
فعل أبو غرير وكانوا يعملون ما بين العدوان والمهداوية من حروب
وثأر لذلك لم يجدوا حليفا خيرا منهم وعلى الفور ارسلوا لهم
رسولا يحمل رسالة يعرضون فيها عليهم الخوة والعهد على الخير
والشر اذا هم ساعدوهم على المهداوي فوجد العدوان في هذا العرض
فرصة لا تعوض للأخذ بالثأر من المهداوي ، ولكنهم لم يزالوا
ضعفاء مقابل قوة المهداوي لذلك اتفقوا مع الفحيصية على اتباع
الخطة التالية وهي :في اليوم الموعود لاستلام العروس ، يكمن
العدوان في موقع الذي يقدم فيه الطعام واسم الموقع أبو الحسن ،
وأن يقدم الطعام تحت الشجرة الكبيرة والتي سميت فيما بعد شجرة
الأمير وهي تقع في محل مكشوف على الزاوية الشمالية الشرقية
لمدرسة الروم للبنين على بعد خمسين مترا من الكنيسة الى الجهة
الجنوبية وأن تحل حزم الخيل خاصة الأمير وحاشيته وأن يحمل
الفحيصية كل سلاحه وأن يطهى الطعام دون ملح وحالما يضع الأمير
أول لقمة من الطعام في فمه بالتاكيد سيعلم الأمير ماذا يعني
الطعام دون ملح ، وفي الحال يضرب كل بسلاحه الرجل الذي أمامه ،
وبطبيعة الحال قتل الأمير أولا وثم اطلاق عيار ناري ليسمعه
العدوان حتى يكونوا على حذر وهكذا كان ، وعندما أراد بعض حاشية
الأمير الهرب كان يقع على الارض حالما يضع رجله في ركاب الفرس
، ونفذت الخطة بدقة وقتل الأمير ومن معه جميعهم وهرب أحدهم
وأسمه صقر ولكن العدوان كانوا له بالمرصاد فقتلوه وسمي المحل
الذي قتل فيه الصقرية ، ومنذ ذلك العهد والحلف بين العدوان
والفحيصية ساري المفعول لتاريخ اليوم واقتسم العدوان والفحيصية
اراضي المهداوي مناصفة وكان ذلك في العقد الأخير من القرن
السابع عشر تقريبا وكان للمهداوي ولد اسمه دهمان وهربا من
العدوان بعد قتل أبيه نزل الى الغور ولحقوا به العدوان وقتلوا
ابنه مشهور في موقع يسمى ضرسه وسميت لتاريخ اليوم ضرسه مشهور ،
وهرب والده دهمان الى الغور أبو عبيده ونزل في تل السعدية
دخيلا على عسره شيخ قبيلة البلاونة وأخذ العدوان باقي أراضيه
واقتسموها ، وكانت شونة نمرين من نصيب صالح واخوانه أبناء
عدوان وهكذا انتهت زعامة قبيلة المهداوية وانتقلت الزعامة الى
قبيلة العدوان وفي سنة 1760 م توفي كايد ابن عدوان وخلفه
بالزعامة أخوه ذياب
أما خوة
العدوان والفحيصية فقد أخذت تنمو وتقوى على طول المدى ودامت
منذ ذلك الحين ولحد الأن ،وقد اقتسموا الأراضي مناصفة فيما
بينهم فكانت حصة الفحيصية الحمر وصويلح وصافوط وأبو مرهف ،
ولقد أخلص الجانبين لذا الاتفاق وأكبر دليل على ذلك أنه في سنة
1923م عندما ثارت البلاد ضد الأمير عبدالله وشكل العدوان حكومة
برئاسة ماجد ابن سلطان أول من دعي للاشتراك في هذه الحكومة هم
الفحيصية وهذا ما سنبينه بالتفصيل فيما بعد .
في مطلع القرن التاسع عشر يذكر
ايركهارت الرحالة البريطاني والذي زار البلاد سنة 1812م أنه
زار مضارب الفحيصية شرق السلط ، وهذا يعني أنهم لحد هذا
التاريخ لم يغيروا مساكنهم بل كانوا لم يزالوا بالخيام وبيوت
الشعر وخزينهم بالمغاور وهذا يعني أن البدء ببناء المساكن
الحجريةلم يبداء الا في نهاية العقد الثاني من القرن التاسع
عشر فما فوق ، اذ كان الأجداد يذكرون على الدوام عندما خرج
ابراهيم باشا من مصر لاحتلال سوريا والتي كانت فلسطين والأردن
جزءا منها واحتل فلسطين وتقدم الى الأردن واحتل السلط ولجأبعض
افراد من حاميتها التركية الى الفحيص وعسكر ابراهيم باشا بجيشه
النظامي وبعض المتطوعين على عين ماء تحت صافوط سميت فيما بعد
عين الباشا نسبة اليه وهي عين الباشا الحالية ، وثم ارسل فرقة
من جيشه لاحتلال الفحيص وسارت طريق الكمالية ، وأول ما شوهد
فرسانه يبرزون من طريقة عقبة الرهوة فسميت أيضا عقبة الدولة
نسبة الى دولة ابراهيم باشا من الفحيص وهي تحمل هذا الاسم لحد
الان وعند انسحاب ابراهيم باشا من الفحيص تخلف اثنان من
المتطوعين في جيشه أحدهما من بلدة هليس واسمه منصور وسكن في
مغارة على عين الأزرق وهي تسمى لحد الآن سد الهليس ، وكان هذا
جد عشيرة العكارشة وأماالثاني وهو موسى جد عائلة جابرية وسكنت
في قطعة أرض في مدخل البلد واشتراها فيما بعد المرحوم الخوري
نصرالله .
بعد انتقال زعامة البلاد من قبيلة
المهداوية الى قبيلة العدوان واللذين أصبحت تربطهم بالفحيص خوة
عهد وصداقة لم يعد هناك مبرر للعائلات التي تخلفت بالسلط
فبدأوا بالتجمع ، وبسرعة بدأوا ببناء المساكن الحجرية بدلا من
المغاور وساعدهم على ذلك أشجار الغابات التي كانت تحيط بالبلدة
، وكان البناء الدارج أنذاك اقامة القناطر ( أقواس مرتفعة من
الحجارة ) ووضع الخشب عليها ومن ثم الطين ، وقد أدخل فيما بعد
طراز اخر هو (العقود المصلبة ) وهذا جاؤوا به أهل بيت ساحور
وأهل بيت جالا اللذين لجئوا الى الأردن هربا من التجنيد
الاجباري مع الاتراك وبعد اقامة بعض المساكن القليلة رأوا من
الضرورة بناء مضافة عامة للبلد قبل أي شئ وهكذا بدأوا ببناء
المضافة عقود مربعة ذات قباب من الحجارة والشيد وقد تبرعوا بها
فيما بعد الى المرحوم الخوري نصرالله اذ لم يكن له بيت يليق
بمقامه عند رسامته وهي لم تزل بحالة جيدة لحد الآن وهي ملك
لأحفاده ومن ثم بدأالعمار بسرعة حتى أصبحت بمدة وجيزة قرية
تنبض بالحياة والحركة ، وبعد المساكن بدأوا بغرس كروم العنب
واصلاح الأراضي وتربية المواشي وعلى الأخص الماعز والبقر وفي
هذه الأثتاء توفي الخوري عطاالله ، وطلب أهل الفحيص من بطرك
الروم رسامة خوري من أبنائها وقدموا له أحد الموصوفين بالأخلاق
والمشهورين بالتقوى وهو الخوري مخائيل صويص ، وهكذا ارتسم أول
خوري من أهالي البلدة وذلك سنة 1834 م، والان لا بد لنا
أن نذكر حادث قتل جرى من قبل عرب الحجايا لأحد أبناء بلدة
الفحيص ، نشب على أثره حرب أشبه بالغزوات كان النصر في النهاية
للفحيصية ، وفي هذه الفترة الزمنية بالذات التي نعم فيها
الفحيصية بالراحة والاستقرار بعد أن تجمعوا في بلدهم الأصلية
بعد غياب طويل .
حرب الحجايا
الحجايا فرع من عشيرة عبده وهذه
العشيرة فرع من عربان شمر ، اعتادت أثناء الصيف أن تنزل في
منطقة الكرك وبالتحديد كانت مضاربهم بجوار قرية المزار ولكنهم
لا يتورعون عن الغزو والسلب والنهب ، فيصلون الى اطراف الشمال
في طلب الغنائم وفي احدى السنين خيموا قرب ناعور وفي احدى
الليالي وصلوا الى أطراف الفحيص يريدون الغزو والنهاب ، وجاءت
طريقهم على مغارتين متجاورتين يسكنهما اثنان من أهل الفحيص مع
مواشيهم أيام الربيع أأحدهم من عشيرة النبور والثاني من عشيرة
الحتاترة ومن عائلة دار الهج وكان المتبع عند سكان المغاور أن
يغلق باب المغارة أثناء الليل بفرع شجرةضخم ويربطه بحبل بوتد
مثبت داخل المغارة وفي تلك الليلة بالذات أغلق الحتري باب
مغرته حسب الأصول بينما النبري لم يغلق مغارته ، فأول ما جاء
الحجايا على مغرة النبري فاقتحموها وعندما قاوم قتلوه وأخذوا
مواشيه وتقدموا على المغرة الثانية ولكنهم وجدوها مغلقة ،
وعندما حاولوا فتحها أطلق النار عليهم فتركوها وعادوا الى
مضاربهم وخرج الحتري يتفقد جاره فوجده قتيل ومواشيه منهوبة
فعاد وأخبر أهل البلدة وهنا نشبت الحرب بينهم ودامت مدة كانت
فيها الضحايا من الحجايا كثيرة ومن الفحبص لم يقتل أحد وكانت
النهاية أن الحجايا عادوا مرة أخرى لغزو الحلال ومروا في
طريقهم على بيت خلاوي أمامه بعض الأغنام وسبقهم صاحب البيت بعد
أن سمع منهم أثناء حديثهم مع بعضهم البعض أنهم حجايا وكذلك هم
تركوه لأن الذي عنده لا يكفي ، وساروا في طريقهم الى الفحيص ،
وكان صاحب البيت افحيصي فعرف الى أين يريدون ولذلك ترك البيت
والغنم مع الراعي وسار هو مسرعا الى الفحيص مع طريق أقرب من
الطريق التي سلكها الحجايا ووصل قبلهم وأخبر أهل الفحيص ،
فرتبوا لهم كمينا وأحاطوا المسلحين بالمواشي عن كثب وعندما
وصلوا الحجايا دخلوا منطقة الكمينلأخذ الغنم فوجدوا أنفسهم
محاطين بالرجال والسلاح وليس لهم أي أمل بالنجاة فاضطروا الى
عرض الفدية على الفحيصية وبطبيعة الحال لم يكن معهم شيء
يددفعوه وكان ضمن المأسورين شيخ القبيلة ومعه عشرة رجال فعرض
عليهم دفع الخاوة وبعد حلف اليمين هو ورجاله أن لا ينكثوا
بالعهد وطلب عليهم الفحيصية شرطين أخرين علاوة على دفع الخاوة
وهم اذا وجد مع أي شخص من عربان الحجايا أي غنيمة أو سريقة تخص
افحيصي أن يعيدها الى صاحبها دون مقابل واذا احتاج افحيصي
مساعدة داخل ديرة الحجايا أن يذهب معه أحد رجال الحجايا لقضاء
حاجته مقابل مجيدي واحد مهما كانت المساعدة ومهما كانت طول
خدمته مع الفحيصي وبعد القسم أطلق سراحهم وأوفوا بالقسم الى
مدة طويلة حتى زال الحكم العشائري . وبعد هذه الحوادث سارت
الأمور طبيعية حقبة من الزمن الى أن ظهر قانون التتريك وبدأت
تركيا بتنفيذه ، اذ استملكت من أراضي الفحيص الحمر والذي قدرت
مساحته أنذاك بثلاثة الالف دونم مع العلم أن مساحته الحقيقية 6
ألالف دونم واستملكت صويلح أيضا وهنا بدأ الصراع بين المهاجرين
ومعهم الدولة والفحيصية وسنأتي على التفاصيل فيما بعد وما كان
لها من عواقب على الفحيصية .
الفحيص
الحديثة
قد يصح القول اذا قلنا أنه من منتصف
القرن التاسع عشر فما فوق بدأالتغيير الجذري على الفحيص من حيث
السكن ومن حيث المجتمع ، فمن حيث السكن أقيمت المساكن الحجرية
حسب نماذج عصرها والتي كما ذكرنا سابقا البعض منها قناطر وخشب
والبعض الآخر عقود مصلبة من الحجارة والكلس ومن حيث المجتمع
بدأت الزراعة تعطي انتاج هائل من الحنطة والشعير والعدس والحمص
والسمسم وكذلك كروم العنب والتي غطت زراعتها جميع الأراضي
المحيطة بالبلدة والى مساحات واسعة ، فكانت تصدر ناتجها من
العنب والزبيب الى فلسطين وحتى الى مصر وهذا بمجمله عاد على
الفحيص بالمال الوفير مما جعلهم يتوسعون بشراء الأراضي
المجاورة لهم .
ومن النواحي
الثقافية فتحت مدرسة دير الروم الارثوذكس أبوايها سنة 1881 م
مبتدأة بغرفتين مدرسة وثالثة كنيسة هي لحد الأن مستعملة كمدرسة
للبنات الارثوذكسيات وفي وفي ذاك الوقت لم يكن في الأردن مدارس
حكومية على الاطلاق بل المنبع مدارس الشيوخ وفي سنة 1874 م
دخلت طائفة اللاتين بالفحيص وكذلك أقامت مدرسة خاصة لها ،
وهكذا سارت الحياة هادئة الا بعض الناوشات الفردية بين
المهاجرين وأهل البلد وكانت الظروف الاقتصادية جيدة ، فالجميع
عندهم اكتفاء ذاتي ولا حاجة لهم من الخارج الا بعض الملابس
والأقمشة فقط وفي سنة 1909 م أقيمت كنيسة الروم الاثوذكس وهكذا
سارت الحياة في مطلع القرن العشرين هادئة الى أن حل ربيع سنة
1918 م حيث هاجروا الفحيصية الى فلسطين في شهر نيسان سنة 1918
م حيث أقاموا هناك مدة ستة أشهر تعرفوا أثنائها على أهل البلاد
وخاصة أهل بيت ساحور وبيت جالا وبيت لحم واللذين كانوا في ذلك
الوقت يهاجرون الى امريكا أفرادا وجماعات ، وقد أقنعوا البعض
من الفحيصية بالهجرة ، وأول من هاجر من الفحيص ميخائيل وسابا
وداود ثلاثة اخوة من عشيرة الصيوصات بعد أن تزوجوا من فلسطين .
هجرة
الفحيص سنة 1918 م
في أخر العصر التركي ظهر فيها حزب
متطرف هو حزب تركيا الفتاة جاء ليعكس الاسم الاوروبي الذي
كانوا يطلقونه على تركيا وهو تركيا العجوز الحزب محصورا مبدئيا
في تركيا ولكنه في النهاية استلم الحكم ومن مخططات هذا الحزب
تتريك معظم الأراضي السورية والفلسطينية والأردنية ، وعلى هذا
الأساس بدأوا بتفريغها من سكانها العرب ودحرهم الى الشرق
وملأها بالمهاجرين الشركس والشيشان والتركمان الهاربين من
روسيا القيصرية ، وقد ذكرنا سابقا أن الحكومة التركية استملكت
من الفحيص الحمر وصويلح وأسكنت المهاجرين فيها ومقابل هذه
الأرض عوضوا عليهم ارض في موقع رجم الشامي ومن الطبيعي أن تبدأ
العداوة بين المهاجرين وأهل البلاد ، ولهذا بدأت المقاومة
ولكنها كانت ضعيفة لأن الحكومة كانت تساند المهاجرين وأهل
البلاد الى أن كانت سنين الحرب الأخيرة وبالتحديد سنة1918 م
حين تقدم الجيش الانجليزي بعدمعركة أريحا الى أن وصل عين حزير
قرب السلط وانسحب الجيش التركي الى عمان وهنا ثار أهل السلط
ونهبوا مستودعات الحكومة وثارأهل الفحيص على أهل الحمر وصويلح
على زعم منهم استرداد اراضيهم ، ولكن المهاجرين كانوا قد
انسحبوا الى عمان مع الجيش التركي ، فنهبوا ما طالت أيديهم
ولكن ولسوء الحظ أن صدرت الأوامر الى الجيش الانجليزي
بالانسحاب والعودة الى أريحا ، وتم الانسحاب ورجع الجيش التركي
في اليوم الثاني الى السلط وكان الفحيصية قد أخبروا من السلط
بانسحاب الجيش الانجليزي ورجوع الجيش التركي قبل وصول الجيش
التركي وكان الخبر مفاجئ وسريع والوقت محدود ، ولذلك وبسرعة
فائقة ترك الفحيصية كل ما يملكون ونجوا بأرواحهم متوجهين الى
فلسطين حيث جيوش الحلفاء ، وعند عودة الجيش التركي أول عمل قام
به هو حصار الفحيص وتدميرها وأبادة سكانها ، وعلى هذا الاساس
وضعوا المدفعية بأراضي السرو وأنزلت فرقة من الجيش لتطويق
البلد لابادة سكانها وتدميرها ولكنهم وجدوها خالية تماماالا من
بعض العجائز بلغ عددهن ثمان عجائز تجاوزن الثمانين عاما من
العمر فقتلوهن رميا بالرصاص ، وأعلنت الحكومة التركية عن
مكافأةة قدرها مائة ليرة ذهب لمن يسلم الى الحكومة أحدا من
سكان الفحيص ، وكان الذي يسلم الى الحكومة يقتل رميا بالرصاص
دون محاكمة ، فقتل على هذا المبدأ ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط
والباقون كانوا قد دخلوا حدود الأمان ، وهناك تجند بعض شبابهم
مع جيش الأمير فيصل ،والباقون سكنوا في القدس على أمل العودة
وبالفعل لم تطل مدة اقامتهم هناك سوى ستة أشهر بدأت بشهر نيسان
وعادوا بأواخر شهر 9 من نفس العام ، ولكنهم عادوا ليجدوا
بيوتهم فارغة من كل شيء يحمل والأبواب مكسرة ، وهنا وبواسطة
بعض الوسطاء لدى حكومة بريطانيا قررت الحكومة اعطاء المزارعين
بغال بلغ عددها سبعون بغلا للاستعانة بها على زراعة أراضيهم ،
وبعض الواح الخشب لاصلاح أبواب بيوتهم مع ارسال قوة ترافق أهل
البلد الى القرى المجاورة ليتعرفوا على كل ما هو منهوب من
بيوتهم واسترداده ولكن ولسوء الحظ قرار الاستملاك التركي بقي
نافذ المفعول كما بقي قرار تعويض اراضي الرجم الشامي ايضا نافذ
المفعول ولتاريخ اليوم هناك حوض من اراضي الرجم الشامي يسمى
حوض الفحيصية ولكن لبعد المسافة بين الفحيص والرجم الشامي وعدم
وجود السيارات أنذاك والطرق السليمة لنقل محمصولا تهم بيع من
قبل اصحابه الى سكان المنطقة ، وأخر قطعة بيعت سنة 1946م وهكذا
انتهى العصر التركي المظلم .
عصر الامارة
في الثاني من أذار سنة 1921 وصل
الأمير عبدالله الى معان ، وفي 27 منه توجه الى القدس حيث قابل
خارجية بريطانيا ونستون تشرشل وكان نتيجة هذه المقابلة اعتراف
بريطانيا بالأمير عبدالله أميرا على شرق الأردن وفي
الأعةام التالية أخذت حكومة الأمير نفوذها وسيطرتها على البلاد
بعد أن كونت جيشا يقوده الضباط العرب اللذين كان ينتمي معظمهم
الى حزب الاستقلال وعلى رأسهم محمد علي العجلوني وعبدالرحمن
الجمل الذي كان قائد درك انذاك وأعلنوا التمرد بتاريخ
11/9/1923م ومقاومة الضباط الانجليز . وامتدت الثورة في نفس
الشهر لتشمل عشائر البلقاء والعدوان .
ثورة العدوان
كان لثورة العدوان أسباب متعددة بعضها
شخصي سياسي يتعلق بالنقمة الشعبية العامة ضد الانجليز
والمتعاونين معهم . أما الأسباب الشخصية فهي أن زعيم الثورة
سلطان العدوان والذي كان يحمل لقب شيخ البلقاء والذي كان زعيما
لمنطقة واسعة من البلاد ، أخذ على الأمير عبدالله
تقربه من بني صخر وشيخهم مثقال الفايز على
حساب العدوان وعشائر البلقاء . وأما النقمة الشعبية فتمثلت
بالمطالب التالية : تشكيل مجلس نيابي واشتراك ذوي الكفاءة
الأردنيين بالمناصب العامة وعزل مظهر ارسلان الخاضع لارادة
الانجليز .
تفاصيل الثورة
على أثر ما أذيع من تمرد ضد الأمير
والانجليز ، تنادى مشايخ البلاد للاجتماع وتباحث الأمور ، وتم
الاتفاق على الاجتماع في بيت سلطان ابن عدوان ، وحسب الموعد
لبى النداء معظم مشايخ البلقاء . وفي الاجتماع أجمع الجميع على
وجوب التحرك وتشكيل حكومة وطنية تقوم بأدارة البلاد ، وتم
انتخاب ماجد العدوان رئيسا للحكومة وعين اثنين من الفحيص
كوزراء له وهما يوسف العكروش وشاكر الطعيمه والباقي معظمهم من
العشائر الموالية للعدوان
وتم
الاتفاق على التجمع بالفحيص وماحص ومن ثم تسيير الجموع الى
عمان وهكذا انصرفت الجموع متفقة في الظاهر ، ولكن في باطن
الأمر غير ذلك ، والعشائر التي لم تحظى بمنصب في الحكومة أضمرت
السوء ، وفي الحال اتصلوا بالمقر بعمان وأخبروا الأمير
بالاتفاق ، واتصل الأمير بالمعتمد البريطاني وقائد الجيش
ليستحيطوا للأمر ، وهؤلاء بدورهم طلبوا مصفحة من فلسطين .
وفي الصباح سارت الجموع من الفحيص
فقط وعندما وصلوا صويلح التقواهناك بمصفحة ولم يكن معهم علم
بما فعل المنشقين ، وهاجموا ثلاثة أشخاص سائق الدبابة ليقتلوه
بالسيف اثنين منهم من العدوان وهم صايل الشهوان والثاني يلقب
أبو عرقوب وواحد من الفحيص يدعى عودة النعمات وفي الحال أطلق
عليهم النار فقتل صايل وجرح عرقوب ونجا عودة ، وتفرقت الجموع
دون أدني مقاومة أما ماجد وسلطان فتوجها الى سوريا على ظهور
الخيل ، وأما الوزراء الفحيصية فتوجهوا الى طيبة فلسطين وهم
شاكر الطعيمه ويوسف العكروش .
وما دمنا نحن بصدد تاريخ الفحيص ولسنا
بصدد أحداث الأردن السياسية لذلك رأينا أن نشرح ما سبق أن
ذكرناه لما له علاقة مباشرة بالفحيص ، وما خلف من عواقب على
البلدة عموما كادت أن تودي بأرواح سكانها دون رحمة ، وكان ذلك
أن الجموع التي تخلفت عن الاتفاق طالبوا المرحوم الأمير
عبدالله بأن يسمح لهم بنهب الفحيص لأن الفحيصية هم اللذين
حرضوا ماجد وسلطان على الثورة ودون أن يأخذوا منه أي جواب
ساروا وتجمعوا في بلدة ماحص ليسيروا الى الفحيص ويحتلوها
احتلالا ، وكان بين الجموع أحد أفراد عشيرة العساف وهم العدوان
، فانسل من بين الجموع وأتي مسرعا الى الفحيص وأخبرهم بالأمر ،
وكان الوقت في اواخر شهر 9 وجميع الفحيصية خارج البلد في بيوت
الشعر ، وبسرعة شاع الخبر وتجمعوا جميعهم داخل البلدة ، وهناك
وضعوا النساء والأطفال في الكنائس ، وجمعوا المسلحين ووزعوهم
على رؤوس الجبال وعلى الخصوص في مدخل البلد الشرقي ، ولحسن
الحظ كان السلاح متوفرا جدا بالبلد من الأسلحة التي تركتها
تركيا عند انسحابها ، ففي المدخل الشرقيوضعوا ثلاث كمائن ،
وكان في البلد معظم رعيان الغنم من ماحص ، فعادوا الى ماحص
وأخبروا الجموع بالذي رأوه ونصحوهم أن لا يقدموا على مهاجمة
البلد ، ولكنهم رفضوا النصح وكان عقيد القوم أبو مديرس ، فقال
أدخل أنا وبرفقتي أربعون خيال ، وعندما أرى الفرصة المناسبة
سأطلق ثلاث عيارات نارية علامة لبدء الهجوم ، وهكذا تفدم هو
وأربعون خيال في صباح اليوم الثاني ، وعندما وصلوا مقابل أول
الدور نزل لملاقاتهم أحد اختيارية البلد وناشدهم الله أن
يرجعوا لأن البلد على أهبة الاستعداد للقتال ولكنهم قالوا نحن
ضيوف ، وتقدموا ، ولم يتقدموا بعيدا حتى تخطوا الكمين الأول
والذي يقضي أن لا يطلق النار الا اذا عادوا الى الخلف ، وعندما
وصلوا الكمين الثاني أطلق النار عليهم ، فعادوا الى الخلف
ليطلق عليهم الكمين الأول ناراحامية ويأمرهم برمي السلاح ،
فنزل الكمين الثالث فربطهم وأخذ سلاحهم وأطلق الخيل وساقوهم
الى داخل البلد حيث وضعوهم في خان وأغلق عليهم ، وأما ما جرى
في السلط فقد اتصل بالأمير وأخبره أن يحتاط للأمر واتصل الأمير
بمركز السلط فأرسل ما عنده من جنودولم يكن يزيد عن خمسة عشر
جنديا فتوجهوا على ظهور الخيل الى الفحيص ولكن وصلوا بعد فوات
الأوان وبعد أن أصبح جميع المهاجمين في السجن ، وفي الصباح جاء
متصرف السلط مع أفراد حكومته يترجوا في اطلاق سراحهم فأطلق عن
جميع ذوي العلاقة بالثورة وانتهى عصر الفوضى الى غير رجعة
وخاصة في تاريخ الفحيص ، وعادوا الى عملهم بكل ثقة واجتهاد
والى زراعتهم .
الهجرة الى أمريكا
كان شباب الفحيص أثناء وجودهم بفلسطين سنة
1918 م قد شجعهم شباب بيت لحم وساحور على الهجرة الى امريكا ،
ولاقت هذه الفكرة قبولا في نفوس السباب وخاصة للأحوال اقتصاديا
، وبالفعل بدأت هجرتهم بثلاثة شباب أولاد الخوري خليل مخائيل
وسابا وداود صويص سنة 1920 م ، وبدأ الحماس يدب في نفوس الشباب
فتبعهم سنة 1922 18 شابا ووصل عدد المهاجرين سنة 1930 م الى 70
شابا ، وللأسف لم يعد الا القليل منهم .
الفحيص في
العشرينات
في منتصف العشرينات أي من سنة 1925 م فما
فوق تغيرت ظروف الأردن عامة الى الأفضل ، فاستقر الحكم في عهد
الامارة ، وشكلت المحاكم النظامية ونظمت المجتمعات عامة في
الأردن وخاصة بالفحيص ، فاتجه السكان للعلم بعد أن وجدت
المدارس للذكور والاناث ، واتسعت رقعة كروم العنب واتسعت زراعة
الحبوب بأنواعها بعد أن اتسعت اراضي الفحيص بما ابتاعوه من أرض
من المجاورين ، وفي سنة 1928 م ادخلت زراعة التبغ (الدخان)
بواسطة المهاجرين الأرمن وكانت زراعة التبغ سابقا تقتصر على
زراعة الدخان الهيشي الذي لم يكن تقبل الشركات شرائه وتصنيعه ،
وكانت زراعته ناجحة تماما وأثمانه في حينها كانت مرتفعة نسبيا
وبتحسن الحالة الاقتصادية بدأت الحياة تميلالى الرفاهية ،
ففتحت المتاجر المتواضعة وثم تحسنت حتى أصبح البعض منهم يستورد
ما يحتاجه من الشام كالأقمشة وغيرها ، ولا بأس أن نذكر أن بعض
المهاجرين اللذين هاجروا الى امريكا بدأوا بارسال المساعدات
ولو أنه كان البعض منهم فقط ، ومع ذلك كان له تأثير ايجابي
والجدير بالذكر أنه في هذه المدة وبالتحديد سنة 1924 م بدأ
استعمال الاسمنت لسقف المنازل بدلا من الطين والخشب ، على
العموم بدأت الحالة الاجتماعية بالأردن عامة تسير الى الأفضل
.
الفحيص في
الثلاثنيات
في الثلاثنيات كان قد ارتفع عدد
السكان وكثرت العائلات والحمايل والعشائر ونتجة لذلك ارتفع
مردود الزراعة لكثرة الأيدي العاملة وعلى الخصوص منتوج كروم
العنب ، فقد وصل الناتج من الزبيب ما يقارب من ألف قنطار صدر
الى فلسطين ومصر ومن العنب ما يقارب 700 قنطار بيع في الأسواق
المحلية والى مصانع المشروبات والتي كان منها ثلاث مصانع
بالفحيص ، ومن الحنطة والعدس والشعير وباقي الحبوب الشيء
الكثير ومن زراعة التبغ والتي أصبحت الزراعة الرئيسية أموالا
طائلة ، وبذلك ارتفع مستوى المعيشة حتى بدأت الرفاهية تظهر في
حياة المجتمع في المأكل والملبس والعمار والسكن ، ومن يتصفح
تاريخ الشعوب يرى دائما وأبدا أن ادخال الرفاهية الى المجتمع
يكون في أكثر الأحيان منفذا لدخول الفساد والخمول ، يبدأ أولا
على نطاق ضيق وثم يتسع حتى في النهاية يعود بالمجتمع الى
الجمود أو الى الخلف ، وهذا ما بدأ يظهر بالفحيص ، فكثرت
المشاحنات والمشاكل بين العائلات ، كانت تبدأ أولا بين شخصين
وثم تتطور لتصبح بين عشيرتين دون أي سبب ذو بال حسب الشعار
القديم والذي يقول انصر أخاك ظالما أو مظلوما ، ومع تكرار هذه
الحوادث كانت تبقي في القلوب الحقد والكراهية الى أمد طويل
ونتيجة لاحدى الخلافات العائلية أدخلت طائفة الروم الكاثوليك
الى الفحيص سنة 1935 م .
في سنة 1933م بدأت الدولة أو دائرة
الأراضي والمساحة بالذات بفرز حدود القرى والعشائر وتثبيتها
على الخرائط حسب المقاييس والقيود الحديثة وكنا قد ذكرنا سابقا
أن أهل الفحيص اشتروا اراضي واسعة من المجاورين ، وكان البيع
سابقا يتم على الأغلب اما بيع شرف أي دون قيود أو أوراق ثبوتية
أو بواسطة عقد بيع خارجي بموجب صك كانوا يسمونه (حجة) يوقع
عليه شاهدين أو أكثر وهذا قابل أغلب الأحيان للطعن بصحته ،
لذلك تناسوا كل المشاكل في هذه الفترة وساروا يدا واحدة حتى
انتهى الفصل بين القرى دون أي خسارة أرض تذكر .
في أواخر الثلاثنيات نشبت الحرب العالمية
الثانية وانتهت في سنة1944 م دون أي تأثير سلبي على الفحيص وثم
في بداية الاربعنيات ظهرت أفة مرض الكروم والذي سمي في وقته
مرض الفولكسترا ، وكان ضربة قاسية على أهل الفحيص اذ قضى على
كروم البلد بالكامل خلال عشر سنوات فقط وثم عادت الحزازات
والانقسامات تظهر من جديد بين مجتمع الفحيص ، وبدأت وكأنها
عداوات عريقة متأصلة وأصبح شبه مقاطعة تامة بين الشباب بصورة
خاصة ، ولم يكن هناك أي مؤسسة اجتماعية تجمع بينهم لتخلق بينهم
الألفة والمحبة وكثيرا ما وصلت الحال الى الضرب الذي أدى الى
أضرار جسدية أو الى اتلاف كثير من الكروم وأشجار الزيتون وكان
في هذه الفترة قد استنار كثير من الشباب العاقل الذين سائهم
هذه الحال وعلى هذا الاساس فكروا في تأسيس ناد هدفه الأول جمع
شباب البلد في جو مناسب لخلق روح الترابط والانتماء لبلدهم
ونشر الوعي بواسطتهم بين عشائرهم لازالة هذا الجفاء والذي ليس
له أي مبرر ، وفي سنة 1947 م تجمع ستة مؤسسين ونظموا قانون
النادي وتقدموا بطلب الى الحكومة ، فقد كان تأسيس النوادي يتم
بقرار وزاري ، وكانت الحكومة تتردد كثيرا قبل اعطاء القرار
لخوفها من دخول المبادئ الشيوعية بواسطة هذه النوادي الى
المجتمع الأردني ، ولذلك لم يصدر التصريح بتأسيس النادي الا
سنة1949 م وكان التصريح بتأسيس نادي رياضي ثقافي ، وهكذا أسس
ولكنة وجد احجاما من الشباب في بادئ الأمر ثم زال هذا الاحجام
بعد أن لمسوا الفوائد الاجتماعية التي قام بها .
أما ما قام به النادي فهو أولا تنفيذ
هدفه الأول وهو ازالة الجفاء والكراهية من بين الشباب وحل كل
مشكلة من شأنها تعكير صفو المجتمع ، فأسس فريق رياضي ولجنة
ثقافية تشرف على مكتبة متواضعة حمع محتوياتها الأعضاء من
تبرعاتهم الخاصة ، وكذلك نظم محاضرات أسبوعية تناولت شتى
المواضيع علمية وتوجيهية وفتح مدرسة ليلية لازالة الأمية
الأولى من نوعها في الأردن كان يدرس فيها اللذين لا تمكنهم
ظروفهم الخاصة من
دخول المدارس
النظامية اما لانشغالهم بأعمالهم اليومية أو لعدم وجود الرسوم
المطلوبة لهذه المدارس فكان يدرس في هذه المدرسة ستة معلمين
لمدة ساعتين كل ليلة من الساعة السادسة مساء وحتى الثامنة
وهكذا أصبح مجتمع الفحيص من أرقي المجتمعات ثقافة وتماسكا
وأشدهم انتماءا لبلده في الخمسينات بدأوا الفحيصية بارسال
أولادهم الى عمان للحصول على الشهادات الثانوية (المترك ) فلم
يكن آنذاك بالأردن شهادات توجيهي في المدارس الحكومة وثم تقرر
التوجيهي وفي الستينات فتح المجلس البلدي بالفحيص وعمت الخدمات
العامة من ماء وكهرباء وعيادات صحية وتم ارسال بعض الطلاب الى
اوروبا لدراسة الطب ومواد واختصاصات أخرى وكثر حملة الشهادات
فهذا كان الوجه الايجابي للمجتمع في الستينات ولكن الوجه
السلبي كان أشد ألما ومرارة اذ قل المزارعين والفنيين وترفع
حملة الشهادات عن الأشغال اليدوية وبدأوا ببيع اراضيهم وصرف
أثمانها على بناء المساكن والأثاث الفخم بالاضافة الى قروض
يأخذونها من البنوك ولم يقيم أي منهم أي مشروع يفيد البلد
بتشغيل الأيدي العاملة وقلت الوظائف الحكومية لكثرة المتعلمين
فلم يبقى لهم سبيل الا الهجرة وهكذا بدأوا بالهجرة الى
الولايات المتحدة حتى أصبح في بضع سنوات يقيم 25% من أهل
الفحيص في امريكا ومعظم اراضيهم قد بيعت
وفاتنا أن نذكر أنه في سنة1950 م استملكت
الدولة ما مساحته (3000) ثلاثة ألالف دونم لاقامة مصنع الاسمنت
، وقدرت له أثمان متدنية رغم أن الأراضي المستملكة كانت من
أصلح الأراضي للزراعة وللسكن والمتصلة بالمنطقة السكنية وهكذا
فقدت الفحيص ميزتها في المجتمع الأردني بكونها أكبر بلد مصدرة
نواتج زراعية في ذاك الوقت وتحول الى بلد اعتمادها الكلي على
رواتب الوظيفة أو ما يعود به المهاجر من ثروة من الخارج فلم
يعد فيها مزارع واحد .
ولكن والحق يقال أن انتماء أهل الفحيص
في الداخل والخارج الى بلدهم قلما يكون له مثيل ورغم اتساع
البلد وكثرة عدد السكان فان فرح أي فرد منهم يعتبر فرح الجميع
وحزن أو مصيبة أي منهم مصيبة البلد عامة فليس هناك حزازات أو
مشاكل أو خلافات على الاطلاق وقد يعود ذلك بدرجة رئيسية الى
طبيعة نسب السكان اللذين ينتسبون 90%منهم الى أصل واحد وباقي
ال 10% ينتسبون اليهم بطريقة النسب .
الحلقة
الثانية
تاريخ الفحيص
الاجتماعي
المجتمع
مما لا شك فيه أن تاريخ الأردن
الاجتماعي يكاد يكون متشابها في جميع مدنه وقراه باستنثناء
حالة البدو اللذين كانوا يتنقلون بأغنامهم طلبا للرعي وأن كان
هناك اختلاف قد يكون في بعض العادات والتقاليد ولكن مجتمع
الفحيص كان أسبق من غيره الى الثقافة والعلم ففي منتصف القرن
التاسع عشر تقريبا بينما كان التدريس ينحصر بشيوخ الدين على
مستوي بيضة ورغيف كانت المدارس الابتدائية بالفحيص مفتوحة
للجميع وذلك بفضل الأديرة ( الروم واللاتين ) وقبل نهاية القرن
المذكور فتحت عند اللاتين مدرسة للاناث يدرس فيها الراهبات
وكانت المواد التي تدرس فيها القراءة والكتابة والحساب
والجغرافيا والتاريخ واللغة الانخليزية يضاف اليها اللغة
اليونانية في مدرسة الروم فعند الروم أقيمت مدرسة مؤلفة من
ثلاث غرف بناء حجر سنة 1881 م وهي لم تزل قائمة حتى الآن وكذلك
عند اللاتين في نفس التاريخ تقريبا ولهذا نشأ بالفحيص جيل مثقف
متعلم نشيط زراعي منتج يساعد والديه في ساعات فراغه وأحيانا
عند المواسم الزراعية كان للعمل الزراعي الأولوية وغالبا ما
يكون بموافقة المعلم اذا طلب منه ولي أمر الطالب ذلك ولكن في
المساء يذهب الطالب الى زميله ليعوض ما فاته أثناء غيابه عن
الدرس بل وأذكر أنه بالعشرينات سنة1922م بالتحديد مثلوا طلبة
مدرية الروم تمثيلية بعنوان الوفاء بالعهد ملخصها أن أحد
الأمراء المنهزمين بالحرب وضع أسلحته وبعض المال عند أحد أمراء
بني غسان أمانة وعندما علم بذلك الخصم طالب الأمير الذي عنده
الأمانة وكان اسمه هاني ابن مسعود بأن يسلم الأمانة ولكن هاني
رفض بشدة فنشبت بينهم معركة قتل فيها ابن مسعود ونفر من قومه .
الاقتصاد
انتعش الاقتصاد بفعل هذا الجهد
والتعاون بين الوالد والولد وتحسنت ظروف الحياة ولكنه اقتصاد
لم يكن بمفهوم الاقتصاد اليوم أوراق نقدية تكدس بالبنوك أو في
البيوت اذ كانت السيولة النقدية نادرة والتعامل بين التاجر
والمستهلك يتم على مبدأ المقايضة مواد استهلاكية من التاجر
مقابل محاصيل زراعية من المستهلك كالقمح والشعير والحبوب
بأصنافها أو بالمواشي كالأغنام والبقر وباقي الحيوانات وعند
تجمع الكميات عند التاجر يصدرها الى الخارج وحتى الزواج كان
يدفع المهر اما قطعة أرض أو بضع رؤوس من الماشية أو كمية من
الحبوب ونادرا ما يدفع نقدا والشيء الوحيد الذي كان يفرض ان
يدفع هو الضرائب الحكومية وبقيت على هذه الحال فعلى سبيل
المثال كان هناك مزارعين كبار يملكون دواب للحراثة بقر أو بغال
وكان هناك أناس فقراء لا يوجد عندهم دواب ولهم قطع أراضي صغيرة
او كروم فخصصوا شيوخ البلد بالاتفاق والاختيار مع المزارعين
على تخصيص يوم الأحد لحراثة اراضي أو كروم هؤلاء الناس وعند
الحصاد الذي ينتهي من حصاد زرعه يساعد جاره وهكذا حتى اخر زرع
وعند جمع الزرع الى البيادر يترك من الحصاد اخر يوم جانب كبير
من الزرع المحصود يسمونه جورعه الى اللقاطين الذين يلقطون
السبل التساقط من الحصادين وهؤلاء جميعهم يكونوا من الفقراء
والأيتام والذي ليس عنده كرم يرسل له كل صاحب كرم حمل عنب ما
يساوي وزنه 60 كيلو وكذلك الذي عنده غنم يطعم الذي ليس عنده
وكان من العار بيع اللبن بل والبعض كان يعتبر الحليب محرم شرعا
وحتى اللباس كان الذي عليه مقابلة مهمة كجلسة محكمة وليس عنده
لبس يصلح يستعير من جاره وكان لبعض الحمايل عباءة واحدة
يسمونها عباءة الحمولة وحتى للعريس او العروس كانوا يستعيروا
لهم بعض الثياب والحلي وبعد أسبوع يرجع المستعار الى أهله هذه
لمحة موجزة عن كيفية التعاون بين المزارعين وأما بالنسبة
للتاجر فكان المزارع يستدين منه كل ما يلزمه دون دفع نهاية
البيدر او مسطاح الزبيب فيأتي التاجر ويأخذ كل ماله حبوب أو
زبيب أو دخان هيشي وكان يجري التعامل بأمانة وصدق دون أي مشاكل
الا ما ندر في سنين المحل ويجري الأخذ والسداد برضى ومحبة .
ولكن هذا الوضع بدأ ينعكس انعكاسا
سلبيا في الثلاثينات للأسباب التالية :
كانت الأراضي غير مسجلة على اسم أصحابها
الا الشيء القليل والذي لا يتجاوز نسبته 5% وحتى هذا المسجل لم
يكن دقيقا في مساحته أو علاماته الحدودية فكانت توضع الحدود
علامات طبيعية كمسيل ماء أو حبله أو طريق أو سنسال وهذه جميعها
قابلة للتحريف والنقل فكان المجال واسع امام المزارع الطماع
والقوي ليعتدي على حدود جاره وكان سببا قويا ليدفع الفقير الى
الانتقام من المعتدي بطريقة غير مباشرة كحرق بيدره أو تقطيع
كرمه وعلى هذا الاساس يقع الشك أولا وثم الحقد والتنافر ثانيا
وكانت الضرايب تقدر من قبل لجنة حكومية تطوف على كل بيادر
المنطقة ومساطيح الزبيب وتقدر الضريبة على الناتج وعلى اسم
المزارع وليس على اسم صاحب الأرض وموهنا بدأ النفور يظهر ويقوي
الانتماء العشائري انذاك والذي كان يأمر أن تنصر أخاك ظالما أو
مظلوما لذلك اذا تخاصما اثنان يعني ذلك تخاصم حمولتين ولم يمضي
فترة طويلة حتى بان النفور جليا مبدئيا بين أفراد وثم بين
الحمايل .
وفي تلك الفترة الحساسة بالذات قامت
دائرة الأراضي بمسح الأراضي وتسجيلها مبتدأة أولا بفصل حدود
القرى بعضها عن بعض والمعلوم ان أهل الفحيص اشتروا من
المجاورين أراضي كثيرة وبعقود خارجية لذلك بدأت المشاكل
والخلافات بين أهل الفحيص والمجاورين أولا .
وأول هذه المشاكل وقع سنة 1933م
بين عشيرة الجريسات وبين عباد على أرض تسمى الميسر تقع الى
الجنوب الشرقي من ماحص ولكن الأرض حكم بها الى الجريسات .
والمشكلة الثانية كانت بين عشيرة
المواس والصويصات على أرض كانت تسمى أم الكلاب وهي أم الأسود
حاليا واتخذ فيها أكثر من اعلام حكم لصالح الصويصات ولكن
الحكومة عجزت عن التنفيذ واضطروا الصويصات الى قبول تعويض قدره
مائتين دينار ومشاكل حدودية كثيرة ربح الفحيصية في بعضها
وخسروا في بعضها .
هذا في
الخارج ، وأما في الداخل وفي الثلاثينات بالتحديد فقد ازداد
الجفاء والنفور وانقسمت البلد الى قسمين وأكثر وحصلت القطيعة
بين بعض الحمايل وبدأوا ينظرون نظرة عداء بعضهم لبعض وكانت
تنشب المعارك لأتفه الأسباب وبما أننا كنا قد ذكرنا في السابق
انه نشأ جيل مثقف وعاقل كان يجاري التيار مبدئيا للاصلاح ولم
يكن من وسيلة أفضل من خلق نادي يجمع فيه شباب البلد وينمي فيهم
روح الانتماء لبلدهم وروح التسامح ويعيدوا المجتمع الى سابف
عهده في التعاون والاخاء والانتماء والصفاء
وكانت العقبة آنذاك هي الحصول على التصريح فكانت الحكومة تنظر
الى النوادي في ذلك الوقت باعتبارها أوكار شيوعية ونعاملها
بمنطوق الاية الكريمة أبغض الحلال عند الله الطلاق وأما البعض
فيعتبرها ملم همل وكان التصريح يصدر بقرار وزاري فلم يكن هناك
وزارة شباب ولذلك دام التجمع لأكثر من سنة البيوت بانتظار
الفرصة الملائمة الى أن أرسل الله الى منطقة البلقاء متصرف من
عائلة وطنية عريقة هو المرحوم صالح بيك المجالية فجهزنا
القانون وأرفقناه بطلب الترخيص وكم كان سرورنا عندما حيانا
وشجعنا ووعدنا بالمساعدة الأكيدة وبعد مضي شهرين على تقديم
الطلب جاءنا البلاغ التالي :
التاريخ : 11/12/1949 م
الرقم :1/20/2636
الموضوع : نادي
السيد /جريس سليمان المضاعين
السيد / مخائيل الشكري
السيد / مخائيل العكاوي
السيد / زكي خليل العساف
السيد / جميل عيسى سلمان
السيد / أديب سالم صويص
يسرني أن أهنئكم بموافقة مجلس
الوزراء العالي بجلسته المنعقدة بتاريخ 8/12/1249 على السماح
لكم بتأسيس ناد في قرية الفحيص باسم النادي الرياضي الثقافي
بالفحيص يتمشى وفقا لنظامكم الأساسي .
متصرف لواء البلقاء
صالح بيك المجالية
نسخة لمعالي وزير الداخلية للعلم
نسخة لقائد منطقة البلقاء للعلم

حفلة الافتتاح
ولسرورنا البالغ بالموافقة أقمنا حفلة
الافتتاح بنفس اليوم الذي تبلغنا به الموافقة في قاعة مدرسة
الروم بالفحيص دعونا اليها جميع أعيان البلد وشيوخها وكانت
مفاجئة لهم عندما علموا أننا حصلنا على تصريح نادي لأننا قدمنا
الطلب سرا والا لما حصلنا عليه . فألقى كلمة الافتتاح السيد
جريس السليمان المضاعين وثم تبعه مخائيل الشكري وتلاه السيد
زكي خليل العساف وتكلم من الجمهور عددا من الخطباء مهنئين
ومشجعين منهم الأب حنا حداد والأستاذ ابشاره حنحن من بلدة اللد
بفلسطين وغيرهم وقدم الى المدعوين الشاي والحلويات ، وكان
الاجتماع يثلج الصدر ويشرح الخاطر منظر عموم أهل البلد يجتمعون
بعد طول انقطاع .
بداية عمل النادي
كان أول عمل باشرت به الهيئة
التأسيسية هو استئجار محل للنادي فاستأجرنا غرفة بدينار شهري
وفتحنا باب الانتساب واعتبرنا كل أعيان البلد وشيوخها أعضاء
شرف في النادي وخصصنا لهم جلسة شهرية في بيت النادي للاستشارة
في كل مصلحة أو مشكلة تقع في البلد فكانوا عونا لنا في كل
المراحل ونحن نحترمهم ولا نقدم على أمر الا برضاهم وبعد
اقناعهم .
كان لوقع تأسيس نادي بالفحيص تأثير
مميز فقد كانت بادرة نادرة اذ توافد عليه الزوار مهنئين
ومشجعين وأولهم نائب بطرك اللاتين المطران نعمة السمعان وبعده
المطران مشيل عساف مطران الكاثوليك بعمان وتبرع كل منهم بخمسة
دنانير ومن حمايل الفحيص كانت حمولة الصويصات سباقة بالحضور
والتبرع وقد تبرعوا بخمسة دنانير فتجمع لدينا خمسة عشر دينارا
مبلغ لا يستهان به انذاك استأجرنا به بيت أوسع وبدأنا بتنفيذ
برنامج توعية يقوم على القاء المحاضرات بشتى المواضيع وأول ما
بدأنا بدعوة الشباب المتحمس والطاردين من المباحث لمبادئهم
الوطنية وكانوا بطبيعة الحال نخبة من الشباب ممتازة يلبون
الدعوةبسرور لأنهم يجدوا في نادينا متنفس من الضغط الشديد الذي
كانوا يعانونه وهذا ما رفع سمعتنا في المجال الأدبي والوطني
ولأنه لزاما علينا أن يحتفظ بنسخة من المحاضرة للمراقبة حسب
القانون لذلك كنا نحتفظ بنسخة بديلة بنفس العنوان ولكنها خالية
من الحماس المكروه قانونا ففي ذلك الحين كانت الدبمقراطية في
السجن والتعسف مادة قانونية .
وعلى سبيل المثال دعونا الأستاذ عيسى
المدانات ( نائب سابق ) وكان استاذا في مدرسة السلط آنذاك سنة
1950 م فألقى محاضرة بعنوان اقتصاد شرق الأردن كان ملخصها ما
يلي :
1-
انشاء
مشاريع الري .
2-
انعاش
المزارعين .
3-
الاستفادة من البحر الميت .
4-
تدريس
الزراعة تدريسا فنيا حديثا .
5-
تقديم
القروض للمزارعين .
6-
تأليف
النقابات الزراعية .
وشاءت الصدف أن حضرها قسيس انكليزي
اعترض على بعض الفقرات ولكننا أسكتناه بخشونة واحتفظنا بمحاضرة
شبيهة بنفس العنوان طلبت منا في اليوم الثاني الى السلط
وكان ذلك بتاريخ 15/12/1950م فوجدوها محاضرة زراعية من القمح
والشعير فقال أحدهم هازءا هذا انكليزي فهمنا غلط .
والعمل الثاني فتح مدرسة ليلة لازالة
الأمية فقد كان طلاب لاجئين وطلاب تعدوا سن الدراسة اذ لم يكن
قد صدر قانون التعليم الاجباري ولم تكن مدرسة حكومية في البلد
والمدارس الأهلية وضعت رسوم عالية حسب وقتها ولذلك رأينا أنه
علينا واجب انساني فعرضنا المشروع على المعلمين وطلبنا منهم
المساعدة فتطوعوا بكل سرور للتدريس دون مقابل ولمدة ساعتين
يوميا تبدأ من الساعة السادسة مساء وتنتهي في نهاية الساعة
الثامنة والمعلمين المتطوعين هم :
1-
الأستاذ
حنا حتر
2-
الأستاذ
جريس قواس من فلسطين
3-
الأستاذ
شحاده قندح
4-
الأستاذ
مخائيل الشكري
5-
الأستاذ
جميل نزال
6-
الأستاذ
يعقوب الصايح من رام الله
وهيئة النادي شكلت بدورها لجنة ثقافية
مهمتها الاشراف على هذه المدرسة وانشاء مكتبة للمطالعة هم
السادة جريس المضاعين عساف جريس المخائيل سالم اليوسف عكروش
وشكر جريس الحزرمي , كما اتفق على طبع هويات للنادي وكان ذالك
بتاريخ 1/12/1950م.
ثم تقرر تشكيل لجنة رياضية مهمتها تشكيل
فريق كرة القدم وشراء طاولة تنس ,وبالفعل تم شراء الطاولة
وكانت ثالث طاولة تنس في المنطقة , الاولى بمدرسة المطران
,والثانية بالنادي الفيصلي , والثالثة في نادي الفحيص , وكان
ذلك بتاريخ 8/1/1950م وتم تشكيل فريق كرة القدم .
ثم شكلت لجنة فنية لتشرف على تمثيل
المسرحيات , واول مسرحية عرضت هي مسرحية باسم الاميرة سهاد
والملك الأسود قدم جانب منن ريعها مساعدة لمدرسة الروم والمبلغ
الباقي دفع ثمن مقاعد للنادي .
وأما المسرحية الثانية فكانت انتاج محلي
عنوانها ( النقطة الرابعة ) ,والنقطة الرابعة هي جزء من مشروع
رأسمالي يسمونه مشروع مارشال , ظهر بعد نهاية الحرب العالمية
الثانية , وهو يرمي الى تحكم امريكا باقتصاد العالم الثالث حتى
اوروبا ايضاً بإعطاء القروض والمنح المشروطة بكيفية الاستيراد
والتصدير , فيحل الاستعمار الاقتصادي بدلاً من
الاستعمارالعسكري الذي زال بعد الحرب , وفي النهاية تتحكم
امريكا بواسطة هذا المشروع اقتصادياً بإغراق العالم بالديون
أولاً وثم عسكرياً , وهذا ما نراه اليوم بديون العالم الثالث ,
وقد اشتراك بهذه التمثيلية طلاب مدرسة الروم , واذكر أن الذي
مثل المسؤول الانكليزي هو انور عيسى الفرحان , وكان آنذاك طالب
بمدرسة الروم , وقد حضر التمثيل المتصرف صالح بيك المجاليه ,
وبعد أن شاهدها أمر ان لا تمثل بالخارج , وكانت تدور حول مزارع
استولوا الديانة على ارضه ولم يبقى عنده شئ , فنصحه احد
اصدقائه ان يذهب ويرهن اولاده عند النقطة الرابعة واقنعه انها
تسترهن الارض والبشر . وبالفعل ذهب ودخل على المسؤول وعرض عليه
الامر ولكن الانكليزي لم يفهم وفي النهاية غضب الانكليزي على
المزارع لأن احدهم لم يفهم على الاخر , فقال للمزارع ( فكن )
فظن المزارع ان فكن موظف ثاني ، فقال يا رجل لا توديني على فكن
ودي المساعدة منك وليس من فكن , وبعد ان دفعه الى الخارج اخذ
يتمتم المزارع ويقول عندكوا باب وعند الله مئة باب , واليوم
والله كله كذب , والله الابواب كلها عند لعينين هالوالدين ,
والله ما عنده ولاباب والباب اللي عنده سكروه , لو بعده فاتح
كان طل علينا وشافنا وما خلانا بهالحال .
المحاضرات
حيث ان المحاضرات هي الوسيلة الوحيدة
للتوعية آنذاك , للك اكثرنا منها للتوعية والاستفادة .والان
نستعرض المحاضرات : عناوينها وملخصها والبعض منها وليس كلها :
محاضرة حنا حتر : رسالة الاندية , مضمونها الاعمال التي
تقوم بها الاندية من رياضية وثقافية كالمباريات والمدارس
الليلية واللجان الزراعية لارشاد المرازعين ومكافحة الأمية ,
بتاريخ 17/11/1950م.
السلم
: للاستاذ جريس قواس ( مدرس عند اللاتين ) من جفنا بفلسطين
بتاريخ 24/11/1950م . مضمونها : كيف يجب ان تتخلى الحكومات عن
اطماعها الاستعمارية وكيف يجب ان تصرف الجهود الحربية
وتكاليفها الباهظة لاحياء الطبقات الفقيرة وتسهيل سبل العيش
الكريم وتحويل مصانع الاسلحه الى مصانع مواد عمرانية وكيف يجب
ان تحيى الحكومة ويحيى الفرد على احترام حقوق الانسان لاخية
الانسان وبغير هذه التضحيات لا يمكن ان يكون سلم .
القنبلة
الذرية : للاستاذ شحادة قندح ( استاذ في مدرسة اللاتين بالفحيص
) بتاريخ 1/12/1950م , مضمونها : شرح وافي عن المواد المركبه
منها القنبلة الذرية ومدى ضررها على الانسانية في حالة
استعمالها للحرب . وما مدى منفعتها للعالم اذا استعملها
للعمران وللخير , فهي اداة للدمار وسلم للحضارة في ان واحد .
منتخبات
شعرية : وقصيدة في رثاء فلسطين للاستاذ يعقوب الصايح من رام
الله .
بين الأمس واليوم : بتاريخ
22/12/1950 م ، لدخيل موسى العبدالله صويص طالب في مدرسة الروم
بالفحيص : تقدم الانسان وتطوره من حالته الأولى الفطرية الى ما
هو عليه الأن من حضارة ورقي واخذ بصورة واضحة تاريخ العرب كيف
نشأوا واشتهروا ثم تباطئوا فتقهقهروا وكيف يجب ان ينهضوا .
بتاريخ 31/12/1950م حضر الى النادي
بالفحيص قائد درك السلط رشيد بيك الروسان وأخذ جميع المحاضرات
التي ألقيت بالنادي لمراقبتها وتدقيقها .
ان للفكر العربي ينطلق بتاريخ
5/1/1951 م للطالب كمال جميل الصالح طالب في كلية الحسين بعمان
ومضمونها كيف يجب أن يزول سوء التفاهم بين الدول العربية وتعمل
متحدة لتبلغ الدرجة التي وصلها الغرب وثم عدد ما للعرب من
أفضال على المدنية الغربية وما لهم من مجلدات في علوم الطب
والفلك و غيرها .
فوائد الرياضة : بتاريخ 12/1/1951 م
للسيد كمال صالح الناصر عدد أنواعها وفوائدها الصحية والمعنوية
الأدب المهجري : بتاريخ 9/2/1951 م
للأستاذ عيسى الناعري تطرق فيها الى تاريخ حياة بعض الأدباء
المغتربي كجبران وايليا أبو ماضي .
بين الانقاض : للسيد وحيد العبوشي تاريخها
23/2/1951 م تناول فيها ضرر المسكرات وكيفية بناء الأسرة بناء
صحيحا وضرر بعض التقاليد المتبعة قي كيفية الزواج في البلاد
العربية كالمساومة على قيمة المهر وارعام الفتاة أو الفتي على
الزواج التعسفي الذي ضد رغباتهم واختتن المحاضرة بقصيدة
للدكتور ابراهيم ناجي عنوانها على الأطلال .
المرأة العربية : للطالب مساعف
قصطندي صويص تاريخها 30/30/1951 م ملخصها وجوب تعليم المرأة
الثقافة العالية وخصوصا في كيفية تربية الطفل اذ عليها تبنى
الأمة وعلى أساس التربية الصحيحة يبنى مجد الشعوب
أصول التربية ومناهج التدريس :
للأستاذ مخائيل الشكري بتاريخ 6/4/1951 م مضمونها وجوب تدريس
المواد الملائمة لميدان العمل وتجنب ما يرهق الطالب من دروس لا
طائل تحتها وليس لها مجال عمل يكون مردوها تبلد ذهن الطالب
ونفوره من المدرسة ووجوب امتلاك المدارس حقول تجارب زراعية
يطبق غيها التدريس الزراعي على الواقع .
القرية الأردنية : للسيد سليمان
المشيني ، رئيس نادي السلط أنذاك مضمونها كيف يجب أن ننهض
هذا بعض ما ألقي من محاضرات وهي
معانيها ومطالبها تصلح ان تقال اليوم لأن كل ما ورد فيها
ينقصنا اليوم ولو خيرونا أن نطلب اصلاح المجتمع لما طلبنا غير
ما ورد فيها وقد ذكرنا هذه المحاضرات المختصرة بمضمونها ليري
القارئ الكريم الى أي مستوى وصل اليه المجتمه بالفحيص ومدى بعد
تخطيطه للمستقبل في الخمسينات .
بتاريخ 2/1/1951 م زار النادي مدير
الاذاعة الأردنية وكان مقرها آنذاك في رام الله وهو السيد عجاج
نويهض يرافقه حرس جندي من الجيش العربي وأخذ معلومات عن البلد
وعن حالتها الاقتصادية ودعاه لتناول الغداء السيد توفيق
الطعيمه فقبل الدعوه مسرورا ورافقه من أعضاء النادي جريس
المضاعين ومخائيل الشكري
بتاريخ 7/6/1954م قام كل من السيد
جريس المضاعين ومخائيل العكاوي ومخائيل الجريسات وعوده الياس
صويص يرافقهم الأستاذ صالح الحمارنة بزيارة مستشفى السلط للا
طمئنان على صحة نائب البرلمان المحترم السيد صالح بيك المعشر
بعد حادث انقلاب سيارته زاصابته بجروح وذلك اعترافا منا
بالجميل الذي أبداه المرحوم بدعمه المستمر للنادي وحلوا ضيوفا
على نادي السلط بدعوة من رئيس النادي
نكتفي هنا أوردنا عن تاريخ الفحيص
الاجتماعي وعن النادي الذي كان له الفضل بتغيير الاتجاه الخاطئ
الذي كادوا أن يسلكوه أهل البلد وخلاصة القول لا أبالغ اذا قلت
أن مجتمع الفحيص بدأ عهدا جديدا بعد تأسيس النادي اذ وجد فيه
الشباب تسلية وثقافة ووجد فيه الطالب علما وحضارة ووجد فيه
المسن عزة وكرامة ووجدوا فيه أهل البلد ترفيه عن النفس ففي كل
أسبوع كان محاضرة وكل أسبوعين كان لعبة كرة قدم .
ووجدت فيه الحكومة دائرة الرسمية اذ
لم يكن في البلد انذاك مجلس بلدي ولا مخفر للشرطة وكان لشيوخ
البلد مضافة يجتمعون فيها لحل مشاكل البلد وأذكر حادثة نهايتها
تدل على مدى ما وصل اليه المجتمع من روح رياضية وكانت لو حدثت
في السابق لنشبت على أثرها المعارك وهي اطلاق نار من أحد أفراد
حمولة العكارشة هو بالذات بشير الرضوان على أحد أفراد عشيرة
الداؤد هو فؤاد الشاكر على بركة دابوق وبخصوص ماء لزراعة
الدخان كان نتيجنها اتلاف براميل الماء وفي المساء عندما عادوا
الى البلد دخلوا النادي بكل احترام دون أن يعترض أي من
العشيرتين للأخر وعلى مستوى الكبار ذهب عم المعتدي وهو السيد
يوسف العكروش الى والد المعتدى عليه مارا من وسط حارة المخامره
وكأنه لا يوجد شيء ( وهنا لا بد من التنويه أن هذا الشخص كان
يحظى باحترام البلد عامة صغيرها وكبيرها لما كان يقدم من
مساعدة لكل من بطلب منه المساعدة وكان غيورا متطرف على بلده لا
يطيق أن تمس كرامتها من أحد ) وشرب القهوة عنده وقبل أن يعتذر
قال له شاكر والد فؤاد اياك أن تعتذر فلا شيء يستحق الاعتذار .
وحتى لا نترك أحد من أهل البلد خارج
المسؤولية لذلك قسمنا عضوية النادي الى ثلاث من الهيئات
والعضوية :
الأولى – العضو العامل : وهو الذي يقيم
بالبلد ويدفع رسوم شهرية منتظمة ويحق له الانتخاب وترشيح نفسه
ومنها تتكون الهيئة العامة .
الثانية – هيئة المؤازر : وهو كل مغترب
يدفع تبرعات وبمدد متفاوتة للنادي ولا يمكنه الحضور
الثالثة – هيئة شرف : مكونة من كل رجالات
البلد وشيوخها تقام لهم حفلة شاي على حساب النادي شهريا تجتمع
لبحث كل مشكلة تستجد ولها علاقة بالبلد وليس عليهم أي شرط
اغلاق النادي
بعد هذا الجهد المخلص من أعضاء النادي
جميعهم ممثلين بهيئاتهم الثلاثة الادارية منها والعامة
والاستجابة من أهالي الفحيص الكرام وبعد أربعة عشر عاما فوجئنا
بقرار من مجلس الوزراء العالي وللأسف يقضي باغلاق النادي دون
سؤال أو جواب أو اعطائنا فرصة للدفاع لأن الديمقراطية كانت في
السجن والتعسف مادة قانونية ( ولكل زمان يهوذا ) .
بعد الاغلاق جرت محاولات عدة لفتح
النادي من جديد باءت جميعها بالفشل وأخيرا وجه الينا انذار اما
السكوت أو السجن وطبعا أثرنا السكوت ومع هذا كنا سعداء جدا بما
حققناه من هدفنا الأساسي وهو اعادة الصفاء والتعاون لمجتمع
الفحيص والوجه المشرق لبلدنا والأسم رفيع المستوى بغد أن كادت
تعصف به التفرقة وتؤدي به الى الدمار
وبعد اغلاق
النادي لم يطل انتظارنا طويلا حتى رأينا بذور الطموح التي
زرعناها تنمو في نفوس جيل أشد منا حماسا وأقوي منا انتماء
وأوفر مادة وهم شباب الفحيص عموما ممثلين بناديهم الرياضي
الثقافي النشيط والذي بفضله ومجهوده نقف أمامكم اليوم بهذا
المهرجان ومن يتابع هذه المهرجان اليوم يرى على الواقع
تكاتف شباب البلد وهيئاتها الرسمية وأهاليها عموم دون أي ذكر
لحمولة أو عشيرة ويرى كيف هذا النادي بامكاناته المحدوده عمل
ما تعجز عن تنظيمه هيئات عليا فبتبنيه لفكرة احياء التراث
والمرادف لاسم ( فرقة الفحيص لاحياء التراث ) يعد تأكيدا
معنويا للسير في هدف واحد وتحقيقا لمعنى الانتماء للبلد ومن
رأى معروضاتنا من تراثنا البسيط بمكوناته البسيطة يلمس على
الواقع قوة ثقتنا بأنفسنا وبماضينا واعتزازنا ببلدنا وعروبتنا
وأثبتنا أن الفحيص كانت تاريخ وحضارة
الحلقة الثالثة
مهرجان الفحيص الثالث
في 8/8/1994
الأغنية
الأردنية القديمة
سادتي الكرام ان الأغنية في كل زمان
ومكان هي المرأة التي تعكس صورة حية لحياة الأمة والمعبر
الناطق لأحاسيسه وعاداته وتقاليده في كل ظروفه وما فيها من
مآسي وأفراح وعمل وترقيه عن النفس فيجد فيها تخفيفا للالام
وراحة وسلوة في عمله وفي ذات الوقت مثيرة للهمم والشجاعة أثناء
الشدة والحروب ولذلك فلكل حالة نفسية أغانيها للفرح وللحزن
وللغزل وللحب حتى وللعمل والحصاد عند المزارعين
وقد ينقسم المغنين في الأفراح والعمل
الجماعي الى فريقين الفريق الأول يبدع والثاني يعيد من بعده
نفس الكلام واللحن تماما كالصوت والصدى وأكثر ما تتبع هذه
العادة في أغاني المعيد في الأحزان والهجيني في الأعراس وفي
الحصاد عند المزارعين
والاغنية الأردنية تمتاز عن غيرها
بدقة التعبير عن مختلف الحالات النفسية فقد حملت من جو الصحراء
رقة الشعور وصدق القول والذكاء الطبيعي واللحن المناسب
لأحاسيسه بعكس الألحان الخيلة والأغاني الدخيلة والتي لاتحمل
لا معنى ولا لحن وتعتمد اضاعة الوقت باللحن الكسول واعادة
الجمل الى عشرات المرات ولكن للأسف ان الأغنية الأردنية في
سبيلها الى الانقراض لأن المغنين الأردنييين بالمعنى الصحيص
وخصوصا المعنيين بالغناء القديم هم قلائل جدا وكثرتهم الزائفة
تعود الى اذاعتنا الموقرة التي جعلت لقب فنان م-ثل بشونة تركيا
تهبه لمن هب ودب ولكل من رفع صوته حتى ولو انه يريد تقليد حمار
البعض منهم اذا وقف امامك وغنى حسيته مهرج أو راقص فيضرب بيديه
ورجليه ويظهر حماس مصطنع رغم ان أغنيته لا تحمل أي معنى لهذا
الحماس المفتعل .
وسنرى البعد الشاسع من حيث اللحن والمعنى
وصدق التعبير في الغناء الأردني القديم وبين تفاهة المعنى
واللحن في معظم الأغاني الحديثة وبالطبع الأغاني والاشرطة
التجارية منها ولنبدأ بذكر الالات المستعملة القديمة
أولها الربابة وثم الشبابة وثم النابة أو ( المقرونة ) والشيء
الغريب ان جميع الشعبية يمكن تلحينها على هذه الالات رغم
بساطتها وقلة تعقيدها ولا يمكن تلحينها على الالات الغريبة دون
تغيير باللحن ولو شيء بسيط
أنواع الغناء
غناء الفرح والحزن والحب والغزل
الحرب والعمل والقيصد الشروقي وعلى العموم لكل حالة النفسية
لظرف المجتمع قول ولحن يناسبه وأول ما نبدأ بأغاني الفرح وعلى
الأخص الأعراس بحيث الموضوع واسع والوقت محدد
أغاني
الأعراس :
في العام الماضي قدم لكم مركز شابات
الفحيص مراسيم العرس وأغانيه وعوائده وتقاليده وكنت قد سجلت
للمركز الألحان والكلمات على أشرطه بواسطة الشبابة فلا لزوم
الان الى اعادتها فقط اريد توضيح بعض أغاني منها وهي :
الأولى : ( عند المجيء لأخذ العروس ) كن
المغنيات يغنين :
يا بو فلان وسع الميدان العز للا
والفرحة للصبيان
الميدان : كانت أرض دير الروم يقام فيها
سبق للخيل يوم الزفاف وبعد السبق كان يجري فيها تدريب السباب
على الرماية بالبارود وكانوا يأتوا برؤوس ذبايح العرس قد يكون
قد عددها عشرة أو أكثر فيضعوها شارات للبارود ويأتي كل من يريد
أن يشترك بالرماية والذي يصيب رأس ذبيحة يأخذه لأهله وكان
قيمته المعنوية عنده أكثر من المداليات اليوم لأن الرماية عنده
عنوان الرجولة
الثانية :
يمه يا يمه جدلي قراميلي طلعت من
البيت وما ودعت أنا جيلي
كان في السابق يندر أن تجد امرأة دون
جدايل وعند تمشيط شعرها يطلع على المشط بعض منه وهذا تجمعه وثم
تغزله على المغزل وتجدله مثولث وعند تجديل شعرها تضمه الى
جدايلها اذا كانت ضعيفة ولأنه من نفس اللون تظهر الجديلة
طبيعية وجزله ولكنه ياحسرة اليوم لا شعر ولا جدايل ولا قراميل
فيوم العرس تذهب الى الصالون اذا كان رأسها باقي شعر ينفشه
الحلاق أو يعمله كبتولة على خلف رأسها أو على قمة راسها من
الأعلى فتصبح هيئة شيطان مع العلم أن الشعر تاج المرأة
والأغنية التي تقول :
يمه يا يمه ولا تبكي ولا دمعه بيك
حنين يزورك ليلة الجمعه
لأن الخطيب المحترم قبل الزفاف بأربعة
أو خمسة أيام يأخذ دفتر العيلة من أبوها ويذهب الى دائرة
الجوازات يعمل لها جواز سفر وأول عمل خيري يقوم به شطب اسم
أبوها وعائلتها ووضع اسمه واسم أبوه وعائلته وكأنه بتوزيعه
حبات التوفي أو الكنوه أخذ تصريح بزيارة الضفة الغربية فسبحان
مغير الأحوال وبعد الاكليل تكون طارت هي والمحترم ودور على
افطيم بسوق الغزالات .
وأما الان فالى نوع ثاني من الأغاني
الأحزان .
ما يخص الأموات : لمناسبات الموتي من
الأغاني :
أولها : التناويح ويقال على جميع طبقا ت
الشعب دون استثناء .
والثاني : المعيد ويقال على عظماء الرجال
والزعماء والسباب في سن الزواج وله ثلاثة انواع العادي
والمروبع والرديح .
والثالث : القصيد الشروقي وينظمه الرجال
على الربابه واللحن الشروقي ولنبدأ بالتناويح :
التناويح وكما ذكرنا تقال على جميع
الأموات ويرددنه النساء على حلقات متقابلة الحلقة الأولى تبدع
ةالحلقة الثانية تردد القول وفيها تعدد مناقب الفقيد وحسناته
وغالبا ما يكون كثير من المالغة اذ ينسب اليه كثير من الصفات
الحميدة والأعمال الخيرية التي ليست فيه وكان تجريح الخدود
ونتف الشعر وتمزيق الثياب عادة متبعة في العشرينات وثم ألغيت
في الثلاثينات وكانت جميع عشاير الفحيص تتناوب عمل الطعام لأهل
الميت كل يوم عند حمولة وكانت المداله تستقيم عشرة أيام أو
أكثر وهذه أمثلة على التناويح .
الشاب الذي يموت غريب :
على المقبرة شب ينادي يامين اوريني
ابلادي غريب وطالت الغربة عليه
على المقبرة شب ينادي ينين ما ادري على
الفرقة حزين ما ادري على افراق الولايا
ياميمتي وابكي عليه لا لي ولد
ولا ابنيه طليبتي رجعت لأهلها
يا بحاشين القبر علوا النصايب لما يدل
القبر من كان غايب لأنه اجي يبكي عليه
واختصارا للوقت هذه متفرقات :
للبنت
في سن الوزاج :
علي أركان القبر علي لميمتي تقعد
ابظلي لخيتي تركي ظهرها
وللزوجة :
ياجوزها واركب احصان حوم العرب
والتركمان عمثلها ما عاد نلقى
نادوا علي من قفا البيت نز الدمع يوم
رديت من فرحتي بشوف أهلنا
نادوا علي من بعيد يا مرحبا
بليلة العيد ليلة زيارة أهلنا
مريت بمراح الغوالي لقيت أنا
المراح خالي ناديت ما ردوا عليه
لقف على قبرك وانوح عالبيت ما لي
نفس اروح ومطرحك بالبيت خالي
ما أمرك يوم الرحيل قفي الظعن
والدمع يسيل على مراحكو ما عاد نرجع
لولا الحيا والعرض غالي لأرافق وحوش
البراري لأنام أنا والذيب وحدي
لا تلوموني ان ما ودعنكو صعبت علي
امفارقتكو وافراكو مر عليه
يتيمهم على الباب واقف قلبه من
النهرات خايف عينه من الدخان عميا
المعيد يقال فقط على المشايخ والرجال
العظماء والذين لهم مج |